القليعات… فرصة تاريخية لبناء قطب اقتصادي واستثماري جديد في الشمال اللبناني
مع مرور (77) عاماً… الحياة تعود إلى مطار القليعات في محطة تاريخية طال انتظارها، حيث أقامت وزارة الأشغال العامة والنقل حفل وضع حجر الأساس والإطلاق الرسمي للمرحلة التنفيذية من مشروع تطوير وتشغيل مطار الرئيس رينيه معوض – القليعات، برعاية وحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، إيذاناً ببدء الأعمال التنفيذية للمشروع الذي تتولى تطويره وتشغيله شركة Sky Lounge Services بعد فوزها بالمزايدة العمومية التي أطلقتها الوزارة.
وكان في استقبال الرئيس سلام والوفد الرسمي المرافق، حشد من الشخصيات السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، يتقدمهم مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد طارق إمام ومفتي عكار الشيخ زيد بن محمد بكار زكريا، إلى جانب النواب والوزراء الحاليين والسابقين، ورؤساء الهيئات الاقتصادية، وفعاليات بلدية واختيارية وأهلية، فضلاً عن قادة وممثلي الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية.
وشهد الحفل حضور عدد من الوزراء والنواب والسفراء وممثلي الهيئات الاقتصادية والمؤسسات الدولية والجهات المعنية بقطاعي النقل والطيران، إلى جانب شخصيات رسمية وعسكرية وإدارية واقتصادية، في مشهد عكس حجم الاهتمام الوطني بهذا المشروع الاستراتيجي، الذي يُنتظر أن يشكل رافعة إنمائية واقتصادية للشمال وعكار ولبنان عموماً، وأن يعيد الحياة إلى أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد.
بقلم المحامي
صالح المقدم
يشكل قرار إعادة تأهيل وتشغيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض – القليعات محطة وطنية وإنمائية مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، وخطوة طال انتظارها لعقود طويلة من قبل أبناء الشمال واللبنانيين عموماً. فهذا المشروع لا يمثل مجرد تشغيل مرفق عام إضافي، بل يؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المتوازنة ويعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاستثمارية للبنان من بوابة الشمال.

يقع مطار رينيه معوض في منطقة القليعات بمحافظة عكار، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1934 عندما أنشأته شركة نفط العراق (IPC) لخدمة عملياتها الجوية في المنطقة. وفي عام 1966 انتقلت ملكيته إلى الدولة اللبنانية ليصبح قاعدة جوية تابعة للجيش اللبناني. وبعد استشهاد رئيس الجمهورية رينيه معوض عام 1989، حمل المطار اسمه تكريماً لدوره الوطني ومسيرته السياسية.
ورغم امتلاكه مدرجاً بطول اكثر من ثلاثة آلاف متر وموقعاً استراتيجياً يؤهله لاستقبال مختلف وأضخم أنواع الطائرات المدنية والتجارية، بقي هذا المرفق الحيوي خارج الخدمة المدنية لعقود طويلة، وتحول إلى عنوان دائم للوعود والمشاريع المؤجلة، إلى أن جاءت اليوم الخطوة الحكومية الجدية لوضعه على سكة التشغيل الفعلي.
إن ما تحقق اليوم يسجل لشخص ولحكومة الرئيس نواف سلام التي أظهرت إرادة واضحة في الانتقال من مرحلة الدراسات والوعود إلى مرحلة التنفيذ. وهذه الخطوة لا ينبغي النظر إليها كإنجاز إداري فحسب، بل كبداية لمسار إنمائي واستثماري وطني يحتاجه لبنان بشدة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.
فأهمية مطار القليعات تتجاوز بكثير دوره التقليدي كمرفق للنقل الجوي. فالمطار قادر على تخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، وتأمين بديل استراتيجي للبنان في قطاع الطيران المدني، كما أنه يشكل بوابة طبيعية للشمال اللبناني بكل مناطقه، وتزداد أهمية هذا المطار بالنظر إلى موقعه الجغرافي الفريد القريب من الحدود اللبنانية – السورية، ما يجعله قادراً على استقطاب أعداد كبيرة من المسافرين القادمين من الساحل السوري، ولا سيما من اللاذقية وطرطوس، وصولاً إلى محافظة حمص، حيث تشكل المسافة الزمنية إلى القليعات عاملاً تنافسياً مهماً مقارنة بمطارات أخرى في المنطقة.
ومن هنا، فإن تحويل المطار إلى مطار مدني ودولي حديث سيخلق حركة اقتصادية وتجارية وسياحية واسعة، ويفتح الباب أمام شركات الطيران الإقليمية ومنخفضة الكلفة، ويعيد وضع شمال لبنان على خريطة النقل الجوي والاستثمار في شرق المتوسط.
غير أن الرؤية الحقيقية لمطار القليعات لا يجب أن تتوقف عند حدود تشغيله كمطار فقط، فالتجارب العالمية الناجحة تثبت أن المطارات الحديثة تتحول إلى محركات اقتصادية كبرى عندما تنشأ حولها مدن متكاملة ومناطق استثمارية متخصصة. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو إطلاق رؤية وطنية شاملة لإنشاء مدينة اقتصادية حديثة حول المطار تضم مناطق حرة، ومراكز شحن جوي، وفنادق ومراكز تجارية، ومستودعات لوجستية، ومجمعات صناعية وتكنولوجية، ومراكز أعمال ومؤتمرات وخدمات متطورة قادرة على جذب المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب،
كما أن نجاح هذا المشروع يرتبط بضرورة دمج المطار ضمن شبكة متكاملة من المرافق الاستراتيجية الموجودة في شمال لبنان. فالقليعات هو جزء من منظومة اقتصادية واحدة تضم مرفأ طرابلس، ومعرض رشيد كرامي الدولي، وشبكة سكك الحديد المستقبلية التي تربط طرابلس بالحدود السورية مروراً بمطار القليعات.
فمرفأ طرابلس يمتلك المقومات ليكون منصة إقليمية للنقل البحري والشحن التجاري، بينما يشكل المطار البوابة الجوية للمسافرين والبضائع، ويأتي معرض رشيد كرامي الدولي ليكون مركزاً للمعارض والمؤتمرات والأنشطة الاقتصادية الدولية. أما إعادة إحياء خط السكك الحديدية وربطه بالمطار والمرفأ، فستؤسس لممر اقتصادي متكامل يربط لبنان بعمقه العربي ويمنح الشمال موقعاً متقدماً على خريطة التجارة والاستثمار الإقليمية.
إن التكامل بين هذه المرافق الاستراتيجية الأربعة كفيل بإطلاق أكبر مشروع إنمائي عرفه الشمال اللبناني منذ عقود، وتحويله إلى مركز اقتصادي ولوجستي واستثماري متطور قادر على خلق عشرات آلاف فرص العمل للشباب اللبناني وتحريك عجلة النمو في مختلف القطاعات.
من هذا المنطلق، أعمل جاهداً انا شخصياً مع المعنيين والجهات الرسمية والاقتصادية والاستثمارية على بلورة رؤية متكاملة للمناطق المحيطة بالمطار، تقوم على التخطيط الحديث والاستثمار المستدام وتحويل هذه المساحات إلى بيئة اقتصادية متطورة تستقطب رؤوس الأموال وتوفر فرص العمل وتواكب متطلبات الاقتصاد الحديث.
إن طموحنا لا يقتصر على تشغيل مطار فحسب، بل يتعداه إلى المساهمة في بناء نموذج جديد للتنمية في لبنان، يرتكز على الاقتصاد المنتج والتكامل بين البنى التحتية الكبرى واللامركزية الإنمائية الحقيقية، بما يعيد التوازن إلى الخريطة الوطنية ويمنح الشمال المكانة التي يستحقها.
إن مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض ليس مشروعاً مناطقيّاً يخص عكار أو الشمال فقط، بل هو مشروع وطني بامتياز. إنه فرصة تاريخية للبنان كي يثبت أن الاستثمار في المناطق ليس عبئاً على الدولة بل رافعة لها، وأن التنمية المتوازنة ليست شعاراً سياسياً بل ضرورة وطنية واقتصادية.
إن ما بدأ اليوم يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة من العمل الجاد، حيث تتحول المشاريع الكبرى إلى أدوات لبناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات وتحفيز الاستثمار والإنتاج. وإذا أحسن اللبنانيون استثمار هذه الفرصة، فإن القليعات لن يكون مجرد مطار جديد، بل سيكون بوابة نهضة اقتصادية حقيقية للشمال ولبنان بأسره، ونقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً للأجيال القادمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.