الاتفاق الأميركي – الإيراني هدنة هشة مغلفة بالكثير من التفاؤل

2

بقلم نديم قطيش
بعد أشهر من الحرب، والحصار، والوساطة، توصلت واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم تمنح 60 يوماً لالتقاط الأنفاس: إعادة فتح مضيق هرمز، وقف إطلاق النار (بما في ذلك في لبنان، رغم أنني لا أتوقع التزام إسرائيل)، مكافأة امتثال إيران ببعض الأوكسجين الاقتصادي، وتأجيل القضايا الشائكة، كتفكيك النووي كاملاً، إلى وقت لاحق.
تحصل واشنطن على مكاسب فورية وملموسة. يُعاد فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس نفط العالم، أمام الحركة التجارية (دون رسوم أو مضايقات إيرانية، مع إزالة الألغام). تنخفض أسعار الطاقة، يستفيد الحلفاء، ويُرفع الضغط عن الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي.
يقال إن إيران التزمت كتابياً بـ “عدم إنتاج أو حيازة أسلحة نووية أبداً”، وتجميد التخصيب خلال هذه الفترة، والبدء بمعالجة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
من مكاسب اميركا أيضاً، ان ترفع العقوبات والحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، بشكل تدريجي ومشروط بامتثال إيران، ومن دون مكاسب مالية فورية. قال جي دي فانس: “الإيرانيون لن يحصلوا على نقود، ولن يتم الإفراج عن أموال لمجرد توقيع اتفاق أو حضور اجتماع”.
تتجنب أميركا، عبر خفض التصعيد، تورطاً أعمق في الحرب مع الحفاظ على نفوذها عبر آليات الضبط والتحقق وإمكانية تفعيل العقوبات.
إنها واقعية سياسية ذكية إذا صمدت، وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
طهران تحصل على مساحة للنجاة بنفسها على المدى القصير. إذا التزمت، ينتهي الحصار، يتدفق النفط، وقد تُحرر الأصول المجمدة خلال الـ 60 يوماً. تجميد لقتال، سيتيح لها أيضاً إعادة تنظيم نفسها وتسويق ذلك محلياً كـ “انتصار”. كما احتفظت بنفوذ محدود في هرمز بحكم سابقة إقفال المضيق، وان كان تكرار الأمر ليس سهلاً. والاهم أنها لم تواجه استسلاماً تاماً. اما القضايا النووية والوكلاء (تمويل حزب الله، إلخ) فمؤجلة، مما يحافظ على أدواتها الأيديولوجية.
فتح الشمبانيا سابق لأوانه، نظراً لسرعة تداعي اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة (بما فيها اتفاق أبريل).
نحن أمام دبلوماسية شرق أوسطية كلاسيكية: الجانبان يعلنان انتصارات جزئية بينما يغطيان على الثغرات. تصريحات واشنطن تبدو وكأن “الاتفاق تم”. ترامب وفانس يتسرعان في اعتبار الاتفاق المشروط بالأداء، والذي يُسوق له بمسودتين مختلفتين، ويستثني إسرائيل من التوقيع، نصراً نظيفاً. المسؤولون الإيرانيون أكثر حذراً، ويضعون بالفعل شروطاً للمفاوضات النهائية.
هنا الفخ!
قامت الجمهورية الإسلامية على المقاومة الثورية، وتصدير النفوذ الشيعي عبر الوكلاء، واعتبار العتبة النووية تأميناً مقدساً ضد التهديدات الوجودية. وبالتالي فإن الامتثال الكامل (صفر تخصيب طويل الأمد، تفكيك يمكن التثبت منه، قطع تمويل حزب الله/الحوثيين) سيبدو كخيانة للنفس.
ايران تراهن على أنها استغلت في السابق مكاسب مؤقتة (الاتفاق النووي JCPOA) وتباطأت أو أعادت تفسير الشروط كما يحلو لها. فلماذا ستغير سلوكها الآن؟
بالنسبة لواشنطن، الخسائر هي المخاطر التي ينطوي عليها الاتفاق: متسع اقتصادي لإيران، تأجيل الأهداف الجوهرية، والاعتماد على التزام ايران بالتنفيذ في بيئة منخفضة الثقة. إذا ماطلت إيران أو انتهكت الاتفاق، قد نعود للمربع الأول، مع خسارة بعض النفوذ، لان ترامب خرج من هذا الاختبار بمصداقية متضائلة.
اتفق مع اعتبار الاتفاق أفضل من الحرب المفتوحة. فهو يهدئ الأجواء، ويسمح باستقرار أسواق النفط، ويفتح نافذة ضيقة للمفاوضات.
لكن لنكن واقعيين: السلام الدائم يتطلب تطور إيران بعيداً عن نموذجها الثوري بطرق لا تسمح بها أيديولوجيتها.
سنرى كيف ستتصرف ايران خلال الأشهر القادمة، ليس عبر تغريدات النصر أو استعراضات طهران، بل ان كانت ستقدم على السماح بالعمل للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإجراءات فعلية حيال اليورانيوم، وضبط الوكلاء.
إذا نجح الأمر وتطور، عظيم. خسائر بشرية أقل، غاز أرخص، ومنطقة أكثر أماناً. أما إذا أصبح الأمر مجرد توقف آخر في دورة الحرب، سنكون قد تعلمنا (مرة أخرى) أن الأيديولوجية وبقاء النظام غالباً أقوى من حبر الاتفاقات.
راقبوا الـ 60 يوماً المقبلة. هناك ستتكشف القصة الحقيقية.
نديم قطيش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.