إلغاء عقوبة الإعدام: إصلاح للسياسة العقابية / 1
المحامي أسامة العرب
لطالما شكّلت عقوبة الإعدام إحدى أكثر المسائل إثارةً للجدل في الفكر الجنائي المعاصر، لأنها تقف عند نقطة التماس بين سلطة الدولة في العقاب وبين حق الإنسان في الحياة، وهو الحق الذي يفترض أن يشكّل نقطة الانطلاق لأي نظام قانوني يسعى إلى تحقيق العدالة لا إلى مجرد إيقاع الجزاء.
وفي لبنان، اكتسب النقاش حول عقوبة الإعدام خلال السنوات الأخيرة بعداً يتجاوز الخلاف التقليدي بين مؤيد للعقوبة ومعارض لها. فالدولة اللبنانية، تطبّق منذ عام 2004 وقفاً فعلياً لتنفيذ أحكام الإعدام، بحيث لم تُنفّذ أي عملية إعدام منذ ذلك التاريخ. ومع ذلك، بقيت المحاكم قادرة على إصدار أحكام بالإعدام، الأمر الذي أبقى لبنان في منطقة قانونية ملتبسة: عقوبة قائمة في النص، لكنها معطّلة في الممارسة.
وفي هذا السياق، يمثّل المسار التشريعي الذي ألغى عقوبة الإعدام تحوّلاً مهماً في السياسة الجنائية اللبنانية. ولا تنبع أهمية هذا المسار من مجرد حذف عقوبة من قانون العقوبات، بل من كونه يفتح سؤالاً أعمق: أي فلسفة للعقاب يريد لبنان أن يتبناها في المرحلة المقبلة؟ هل يبقى العقاب تعبيراً عن الانتقام باسم المجتمع، أم يصبح أداة لحماية المجتمع وتحقيق العدالة وإعادة تأهيل المحكوم عليه، ضمن حدود تحترم الكرامة الإنسانية ولا تجعل الخطأ القضائي غير قابل للإصلاح؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي قراءة الإصلاح المقترح في ضوء الدستور اللبناني، والالتزامات الدولية، ومبادئ العدالة الجنائية، فضلاً عن خصوصية النظام القضائي اللبناني وما يعتريه من تحديات تتصل بضمانات المحاكمة العادلة.
أولاً: بين بقاء النص وتعطيل التنفيذ
تكمن خصوصية الحالة اللبنانية في أن إلغاء عقوبة الإعدام لم يبدأ فعلياً من البرلمان، بل بدأ من الممارسة. فمنذ عام 2004، لم تنفّذ السلطات اللبنانية أي حكم بالإعدام، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه وقف فعلي أو «de facto moratorium» على تنفيذ العقوبة، من دون أن يكون هذا الوقف قد تحوّل إلى إلغاء تشريعي ملزم.
وهذا الوضع، وإن كان قد منع وقوع عمليات إعدام خلال أكثر من عقدين، لا يوفر الضمانة القانونية الكاملة للحق في الحياة. فطالما بقي النص العقابي قائماً، تبقى إمكانية العودة إلى التنفيذ قائمة من الناحية القانونية متى تبدلت الظروف السياسية أو صدرت إرادة تنفيذية في هذا الاتجاه.
ومن هنا أتت أهمية الانتقال من التجميد العملي إلى الإلغاء التشريعي. فالوقف الإداري أو السياسي يمكن أن يتغير بتغير الحكومات والظروف، أما الإلغاء التشريعي فيحوّل الموقف من سياسة قابلة للتبدل إلى قاعدة قانونية عامة ومجردة.
وهذا الفرق ليس شكلياً. ففي دولة القانون، لا يكفي أن تمتنع السلطة عن استخدام صلاحية شديدة الخطورة؛ بل ينبغي، عندما تكون تلك الصلاحية تمسّ حقاً أساسياً كالحق في الحياة، أن تحدّد التشريعات بصورة واضحة حدود سلطة الدولة وأن تمنع إمكان استعمال العقوبة بصورة تعسفية أو انتقائية.
ثانياً: الموقف اللبناني في السياق الدولي
لم يكن الاتجاه اللبناني نحو إلغاء عقوبة الإعدام منفصلاً عن التطوّر الدولي في هذا المجال. فقد صوّت لبنان لصالح قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام، بما في ذلك قرار عام 2020 الذي أُقر بأغلبية 123 دولة، وقرار عام 2022 الذي أُقر بأغلبية 125 دولة، والقرار الصادر في عام 2024 بأغلبية 130 دولة.
ولا تعني قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، من حيث طبيعتها، أنها تلغي بذاتها أحكام القانون الداخلي للدول، إلا أنها تحمل دلالة سياسية وحقوقية مهمة، ولا سيما عندما تقترن بمسار تشريعي داخلي يتجه في الاتجاه ذاته.
والأهم من ذلك أن الموقف اللبناني بات يُقرأ اليوم في ضوء توصيات الأمم المتحدة ذات الصلة. فقد أشارت وثيقة حديثة للأمم المتحدة إلى أن عقوبة الإعدام ما زالت قانونية في لبنان رغم الوقف الفعلي لتنفيذها، ودعت صراحة إلى إلغائها، معتبرة أن الإلغاء التشريعي ينسجم مع الإرادة السياسية التي عبّر عنها لبنان من خلال تصويته لصالح قرار الجمعية العامة لعام 2024.
وبذلك، فإن إلغاء العقوبة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استجابة لضغط خارجي فحسب، بل باعتباره أيضاً امتداداً لمسار لبناني سبق أن ظهر في الممارسة والتصويت والمواقف الرسمية.
ثالثاً: الخطأ القضائي ومحدودية قابلية عقوبة الإعدام للإصلاح
إنّ الحجة الأكثر جوهرية ضد عقوبة الإعدام لا ترتبط فقط بقسوة العقوبة، وإنما بطبيعتها غير القابلة للعكس. فالقضاء، مهما بلغت ضماناته، يظل عملاً بشرياً. والقاضي يحكم استناداً إلى الأدلة التي توضع أمامه، وإلى إجراءات التحقيق والمحاكمة، وإلى الشهادات والخبرات والقرائن. وإذا تبيّن بعد سنوات أن الحكم كان خاطئاً، يمكن في العقوبات السالبة للحرية أن يكون هناك مجال للتعويض أو إعادة المحاكمة أو الإفراج أو تصحيح الخطأ. أما إذا كان الحكم قد نُفّذ بالإعدام، فإن تصحيح الخطأ يصبح مستحيلاً.
وتزداد خطورة المسألة عندما تكون منظومة العدالة نفسها تعاني من اختلالات تمسّ ضمانات المحاكمة العادلة. فالاعتراف المنتزع تحت التعذيب لا يمكن أن يُشكل أساساً سليماً لإدانة إنسان، والقرار القضائي الذي يفتقر إلى التعليل الكافي يضعف إمكانية مراقبته ومراجعته إن كان صادراً عن محكمة عليا، كما أن التفاوت في القدرة على الدفاع وفي الوصول إلى المساعدة القانونية قد يؤثر بصورة مباشرة في مآل الدعوى. وفي مثل هذه البيئة، تصبح عقوبة الإعدام أكثر من مجرد عقوبة شديدة؛ إنها مخاطرة قانونية لا يمكن تدارك نتائجها.
يتبع غداً
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.