انتخابات إسرائيل بين احتمال سقوط نتنياهو واستمرار الحرب / 1

8

بقلم د. ابراهيم العرب

ثمّة لحظات في السياسة تبدو فيها صناديق الاقتراع وكأنها قادرة على إعادة رسم المنطقة بأسرها. غير أنّ التجربة الإسرائيلية، ولا سيما منذ السابع من تشرين الأول 2023، تقول إن العلاقة بين السياسة والحرب أكثر تعقيداً من أن تُختزل في اسم رئيس حكومة أو عدد من المقاعد البرلمانية.

ومع إقفال باب الترشيح لانتخابات الكنيست، ودخول 38 لائحة انتخابية السباق على 120 مقعداً، بدأت ملامح المعركة السياسية الإسرائيلية تتضح تدريجياً. وقد جاء أول استطلاع للرأي بعد تقديم القوائم ليمنح هذه الانتخابات طابعاً أكثر إثارة، بعدما أظهر تراجعاً واضحاً في موقع بنيامين نتنياهو، مقابل صعود قائمة «يشار» التي يقودها رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت.

ووفق الاستطلاع، تحصل كتل المعارضة على 57 مقعداً مقابل 51 لكتلة الائتلاف الحالي، فيما تحصل الأحزاب العربية مجتمعة على 12 مقعداً. ومعنى ذلك، في الحساب البرلماني البحت، أن إسرائيل تتجه إلى انتخابات لا تمنح أي معسكر القدرة على تشكيل حكومة مستقرة بمفرده، وأن مفتاح المرحلة المقبلة قد يكون في يد أحزاب لا تبدو اليوم جزءاً من المعادلة التقليدية للصراع على السلطة. لكن السياسة الإسرائيلية لا تُقاس بالأرقام وحدها.

قد تكون أهم دلالة في الأرقام المتداولة ليست فقط تراجع «الليكود» من موقعه الحالي إلى نحو 21 مقعداً، بل الصعوبة التي يواجهها نتنياهو في إعادة بناء صورة الحزب الذي كان لعقود عنواناً مركزياً لليمين الإسرائيلي. فنتنياهو يدخل هذه الانتخابات وهو يحمل معه إرثاً سياسياً ثقيلاً: سنوات طويلة في الحكم، وحرباً مفتوحة على أكثر من جبهة، وانقسامات داخلية عميقة، وأسئلة متواصلة حول المسؤولية السياسية والأمنية عن إخفاقات السابع من تشرين الأول، فضلاً عن أزمة الثقة التي أصابت جزءاً من المؤسسة السياسية الإسرائيلية.

ولعل المفارقة أن نتنياهو، الذي أتقن طويلاً إدارة التوازنات داخل معسكر اليمين، يبدو اليوم أقل قدرة على الإمساك بكل خيوطه. فقد حاول توحيد الأحزاب اليمينية وتأمين تحالف سياسي قادر على خوض الانتخابات من موقع متماسك، غير أن النتائج الأولية لهذه المحاولة تبدو محدودة.

وفي السياسة، لا يكفي أن يحتفظ الزعيم بأتباعه؛ فالأهم أن يستطيع استعادة أولئك الذين غادروا صفوفه. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة آيزنكوت. فالقائمة التي يتقدمها لم تُبنَ فقط على جنرالات سابقين أو شخصيات أمنية، بل حاولت أن تقدم صورة أكثر اتساعاً للمجتمع الإسرائيلي، عبر استقطاب شخصيات من اليمين ويمين الوسط، ونشطاء سابقين في «الليكود»، وشخصيات من المناطق الريفية، ومتدينين، بل ومرشح عربي في موقع مضمون. إنها محاولة لبناء ائتلاف انتخابي يتجاوز الحدود التقليدية بين معسكرات إسرائيل السياسية، في وقت يبدو فيه نتنياهو أكثر التصاقاً بالمعسكر اليميني الذي حكم من خلاله.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ السياسي والمنهجي تحويل استطلاع واحد إلى حكم نهائي على الانتخابات. فالانتخابات الإسرائيلية شديدة الحساسية لنسب الحسم، وأي حزب يفشل في عبور عتبة 3.25 في المائة قد يحوّل أصواتاً كاملة إلى كتلة انتخابية غير ممثلة، بينما يؤدي دخول حزب صغير إلى الكنيست إلى تغيير توزيع المقاعد بين المعسكرات بصورة قد تبدو، للوهلة الأولى، غير متناسبة مع حجمه. وهذا تحديداً ما يجعل الانتخابات الإسرائيلية مختلفة عن مجرد سباق بين حزبين كبيرين. إنها في جانب أساسي منها معركة على «الأصوات الضائعة»، وعلى قدرة كل معسكر على تجميع حلفائه قبل يوم الاقتراع، وعلى إمكان استقطاب الناخب المتردد في اللحظة الأخيرة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يتراجع نتنياهو فالاستطلاع يقول إنه يتراجع. إنّ السؤال الأهم هو: هل يستطيع خصوم نتنياهو تحويل هذا التراجع إلى أغلبية حاكمة؟ وهنا تبدو الإجابة أقل وضوحاً.

بادئ ذي بدء، تكتسب الأحزاب العربية أهمية استثنائية في هذه الانتخابات، إذ قد تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية: تستطيع أن تكون عاملاً حاسماً في تشكيل الحكومة، في الوقت الذي لا تزال فيه قوى إسرائيلية رئيسية ترفض بصورة صريحة أو ضمنية قيام حكومة تعتمد عليها. فإذا صحت الأرقام المتداولة، فإن الأحزاب العربية قد تمتلك العدد الكافي من المقاعد لترجيح كفة معسكر على آخر، ولا سيما القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس. وهنا تظهر مشكلة أعمق من مجرد الحسابات البرلمانية. فإسرائيل، التي تتحدث عن نظام ديمقراطي تعددي، لا تزال تجد نفسها أمام سؤال جوهري يتعلق بموقع المواطنين العرب في منظومتها السياسية: هل هم جزء كامل من عملية صنع القرار، أم أن مشاركتهم تصبح مقبولة فقط عندما لا تهدد توازنات القوى التقليدية؟

ويأتي طلب إيتمار بن غفير شطب القائمة العربية الموحدة ليكشف استمرار هذا التوتر. ومهما يكن الحكم القانوني النهائي في هذه المسألة، فإن مجرد عودة محاولة الإقصاء إلى واجهة الانتخابات يؤكد أن قضية المشاركة العربية ستظل إحدى أكثر المسائل حساسية في النظام السياسي الإسرائيلي. وقد يكون من السهل على السياسي أن يخاطب الجمهور بلغة الخوف في زمن الحرب، لكن الديمقراطية تُختبر تحديداً عندما يصبح قبول الآخر أكثر صعوبة.

كذلك، هل يؤدي رحيل نتنياهو إلى نهاية الحرب في لبنان؟ هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى لبنان. في بيروت، ثمة قراءة واسعة تربط التصعيد الإسرائيلي بالانتخابات، وتفترض أن نتنياهو قد يجد في التصعيد العسكري وسيلة لتحسين موقعه السياسي وإعادة تقديم نفسه باعتباره رجل الأمن القادر على حماية إسرائيل.

وهذا الاحتمال ليس بلا أساس. فالحرب في المجتمعات التي تعيش تحت ضغط أمني شديد يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية، وقد يستخدمها السياسي لتوحيد الجمهور حول القيادة، أو لإعادة ترتيب الأولويات بعيداً من الملفات الداخلية. لكن اختزال الحرب الإسرائيلية على لبنان في الحسابات الانتخابية لنتنياهو سيكون خطأً استراتيجياً. ذلك أن المسألة تجاوزت، على ما يبدو، شخص نتنياهو نفسه.

لقد تحوّلت الحرب في الشمال الإسرائيلي إلى جزء من تصوّر أمني أوسع، يقوم على منع إعادة إنتاج الظروف التي سبقت الحرب، وفرض واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية. ومن هنا برز الحديث الإسرائيلي المتكرر عن المناطق العازلة، وإبعاد الخطر عن المستوطنات الشمالية، ومنع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية قرب الحدود. وبعبارة أخرى، قد يرحل نتنياهو، لكن العقيدة الأمنية التي تشكلت خلال الحرب لن ترحل بالضرورة معه. وهذه نقطة ينبغي أن تؤخذ في لبنان بمنتهى الجدية.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.