تمديد ولاية المفتي: تصحيح المسار صوناً للمشروعية

7

بقلم د. ابراهيم العرب

ليست قوة المؤسسات في قدرتها على التمسك بقراراتها، مهما أثير حولها من اعتراضات، بل في قدرتها على تصحيح مسارها متى استدعت الضرورة ذلك، والعودة إلى الأصول القانونية التي تمنح أعمالها شرعيتها ومناعتها. ومن هذا المنطلق، تكتسب الدعوة إلى إصدار قرار جديد بشأن تمديد ولاية مفتي الجمهورية اللبنانية ومفتيي المناطق أهمية تتجاوز الخلاف حول القرار رقم 55 الصادر عن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى بتاريخ 9 أيلول 2023؛ إذ تطرح مسألة جوهرية تتصل بكيفية صون مقام الإفتاء، وحماية استقلال المؤسسة الدينية، وضمان خضوع قراراتها للقواعد القانونية التي تحكم ممارستها لاختصاصاتها.

وفي هذا السياق، تكتسب الجلسة التي دعت دار الفتوى إلى عقدها يوم السبت في 24 تشرين الأول، عند الساعة التاسعة صباحاً، بمشاركة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورؤساء الحكومات السابقين، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما قد تتيحه من فرصة للتشاور وتغليب الاعتبارات المؤسسية على التجاذبات. غير أن القيمة الحقيقية لأي اجتماع لا تُقاس بمستوى التمثيل فيه أو بالثقل السياسي للمشاركين، بل بمدى قدرته على إنتاج معالجة قانونية سليمة، تحفظ للمؤسسة وحدتها، وتضع قراراتها على أرضية صلبة من المشروعية.

أولاً: بين التقرير القضائي والحكم النهائي

إن مقاربة قضية تمديد الولاية تقتضي، قبل كل شيء، التمييز بين ما تحقق فعلاً في المسار القضائي وما لا يزال ينتظر الحسم. فالمراجعة رقم 138/2023 المقدمة أمام مجلس شورى الدولة بشأن القرار رقم 55 لم تنتهِ، وفق المعطيات المعروضة، إلى صدور قرار نهائي عن مجلس القضايا بإبطال ذلك القرار. وإنما أعدّت المستشارة المقررة القاضية رانيا أبو زين تقريراً انتهى إلى اقتراح قبول المراجعة وإبطال القرار المطعون فيه، كما تبنّى مفوض الحكومة الاتجاه الذي خلص إليه التقرير.

وهذا التمييز ليس ترفاً اصطلاحياً، ولا محاولة للتقليل من أهمية التقرير، بل هو مقتضى الدقة القانونية. فتقرير المستشار المقرر، مهما بلغت قوة أسبابه، يظل جزءاً من المسار الإجرائي الذي يسبق صدور القرار القضائي، ولا يحل محل الهيئة المختصة بإصدار الحكم النهائي. ويبقى لمجلس القضايا أن يدرس التقرير، وما يقدم بشأنه من ملاحظات، وأن يتبنى ما ورد فيه أو يخالفه، كلياً أو جزئياً، ضمن حدود القانون.

ومن ثم، لا يجوز التعامل مع اقتراح الإبطال باعتباره إبطالاً ناجزاً، كما لا يصح تجاهل الدلالات القانونية التي أثارها التقرير. فالموقف المتوازن يقتضي احترام المرحلة القضائية التي بلغها الملف، وعدم استباق النتيجة، مع الاستعداد لمعالجة أي خلل إجرائي قد يثبت وجوده.

ثانياً: حين يصبح الملف الإداري جزءاً من ضمانات العدالة

تتصل إحدى أبرز المسائل التي أثارها التقرير بعدم تقديم المستندات الإدارية التي طلبها المستشار المقرر، ولا سيما محضر جلسة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى المنعقدة في 9 أيلول 2023، وبيان أسماء الحاضرين والمتغيبين، ومحاضر اللجنة التشريعية والمستندات المتصلة بأعمالها، ومشروع التعديل وأسبابه الموجبة، وسجل القرارات ذات الصلة.

ولم تكن هذه المستندات مجرد أوراق إدارية يمكن الاستغناء عنها؛ إذ إن لها دوراً أساسياً في التحقق من سلامة الإجراءات التي سبقت اتخاذ القرار رقم 55، ومدى توافر النصاب القانوني، وصحة التصويت، واحترام القواعد التي ترعى عمل المجلس ولجانه المختصة.

فالمحضر، في العمل المؤسسي، ليس مجرد سجل لما جرى، وإنما وسيلة لإثبات أن القرار اتُّخذ بالفعل وفق الأصول. كما أن بيان الحضور والتصويت ليس تفصيلاً ثانوياً عندما يكون النزاع متعلقاً بصحة انعقاد الهيئة وتوافر الأكثرية المطلوبة. ومن هنا، فإن تقديم الملف الإداري كاملاً يتيح للقضاء ممارسة رقابته على أساس وقائع ثابتة، بدلاً من ترك المسائل الجوهرية في دائرة الادعاء والإنكار.

أما الامتناع عن تقديم المستندات المطلوبة، فتترتب عليه إشكالية قانونية دقيقة. فقد يستخلص القضاء من هذا الامتناع دلالة تؤثر في تقديره للأدلة والادعاءات، لكن مدى هذه الدلالة وحدودها، وما إذا كانت تكفي لتبرير النتيجة المقترحة، يظل من المسائل التي يتعين على مجلس القضايا حسمها في ضوء مجمل الملف والقواعد القانونية الواجبة التطبيق.

لذلك، فإن الحكمة تقتضي عدم تحويل التقرير إلى حكم مسبق، ولا سيما أن المسألة تتصل بسلامة الإجراءات والأدلة التي ينبغي أن تُبنى عليها النتيجة القضائية.

ثالثاً: لماذا يشكل إصدار قرار جديد مخرجاً قانونياً جدياً؟

إذا كان الاعتراض على القرار رقم 55 يرتبط بعيوب في الإجراءات التي سبقت صدوره، فإن من المنطقي بحث إمكانية معالجة المسألة من خلال إصدار قرار جديد، تتوافر فيه الشروط القانونية والإجرائية اللازمة. فبدلاً من استنزاف الجهد في الدفاع عن إجراءات أصبحت موضع نزاع أمام القضاء، قد يكون الأجدى للمؤسسة أن تعيد النظر في المسألة من خلال مسار واضح وموثق، يبدد الشكوك ويعيد الثقة إلى القرار الصادر عنها.

غير أن هذا الخيار لا ينبغي تقديمه باعتباره إقراراً مسبقاً ببطلان القرار السابق، ولا باعتباره وسيلة للالتفاف على رقابة مجلس شورى الدولة أو التأثير في المراجعة القائمة. إنه، في جوهره، خيار مؤسسي يستند إلى مبدأ أن تصحيح الإجراءات، متى كان جائزاً قانوناً، أفضل من ترك الخلاف يتفاقم، وأن احترام الأصول لا ينتقص من مكانة المؤسسة، بل يعززها.

ويقتضي ذلك أن ينعقد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، بوصفه الجهة صاحبة الاختصاص، وفق القواعد التي ترعى اجتماعاته، وأن يُدرج الموضوع على جدول الأعمال بصورة أصولية، وأن تتوافر لأعضائه المعلومات والمستندات اللازمة لتكوين إرادة واعية، وأن تُحترم أحكام النصاب والأكثرية، وأن تُنظّم محاضر الجلسة والتصويت على نحو واضح ودقيق.

كما ينبغي، حيثما يفرض القانون أو النظام الداخلي تدخل اللجنة التشريعية أو المرور بإجراءات تحضيرية معينة، احترام هذه المراحل وعدم تجاوزها. فسلامة القرار لا تُستمد من موافقة الأكثرية وحدها، وإنما من اجتماع الاختصاص الصحيح والإجراء السليم والإرادة المؤسسية المعبّر عنها وفق القانون.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.