بين مادورو وسلامه رحلة الأدوات

بقلم فوزي عساكر
رئيس تحرير مجلة «العالمية»
كان يا ما كان في قديم الزمان، بلدية ميسورة، استقال رئيسها، فتسلّمها مسؤول حكومي وبعض أزلامه. فراح يسرح وأتباعه في تلك البلدية، ويأمرون أمين الصندوق المسكين بسحب مبالغ نقدية من المال العام، من دون أمر دفع ومن دون وثائق ثبوتية. وذلك المسكين كان يعطيهم ما يريدون، حفاظًا على مركزه، إلى أن طمِعَ وراح يسحب لِحسابه «بضهر البيعة»!
وفي أحد الأيام، عند تغيير الرؤوس، اكتشف الرئيس الجديد نقصًا هائلاً في الصندوق، فاستدعى أمين الصندوق واستجوبه. فضعفَ الأمين لقلّة أمانته، وأسرع إلى بيته، فأعاد مبلغًا اقتناه، وقال لرئيس البلدية: «هذا كل ما معي». وبِهذا أثبتَ بغبائه أنه المسؤول عن سرقة أموال الناس.
اعتقلت السلطات أمين الصندوق رهنًا للتحقيق، فزاره في السجن أولئكَ الذين سرقوا الأموال، وهدّدوه بقتله وعائلته فردًا فردًا إذا لفظَ اسـمًا واحدًا من أفراد العصابة التي استولت على البلدية. وهكذا، سكتَ عنهم ودفع وحده الثمن!
ما أشبه قصة «كان يا ما كان» في قديم الزمان، بقصة «صار يا ما صار» في هذا الزمان! فهل مِن عاقلٍ يصدّق أنّ رجلاً واحدًا اسـمه رياض سلامه، كان حاكمًا لِمصرف لبنان فسرق الجمهورية اللبنانية لوحده من دون شريك، فأُوقفَ وحياته بخطر، وباقي أفراد العصابة يسرحون ويَمرحون؟! وإذا مات في السجن يكون موته خلاصًا لجميع أفراد العصابة، فيُقفَل الملف لعدم اكتمال الأدلة لإثبات الجريـمة!
دولةٌ منهوبة وشعبُها صامت، وإنْ حكى، يشكو لِمن سرقوه بأنّ مَجهولاً قد سرقه، ولا يَجرؤ أن يطالب بحقه من الذين ما زالوا يحكمون من وراء الستارة!
هل تصدّقون أنّ نيكولاس مادورو قد سرق البرازيل لوحده؟ فأين الباقون؟!
وهل تصدّقون أنّ رياض سلامه قد سرق لبنان لوحده؟ فأين الباقون؟!
باعتقال مادورو، سكتَ شعبٌ بأكمله، وصدّقَ أنّ مادورو أفسدَ البرازيل لوحده، فالتأمَ جرحه ونسيَ كل المعاناة. وغدًا إن مات رياض سلامه في السجن، سيتنفّس المودعون الصعداء، وسينسى الجميعُ حقوقهم، ولن يبقى مَن يطالب، وسيبقى مَن يَحكمون من وراء الستارة، متحكّمين بالقرار والبلاد والعباد، بانتظار ثقةٍ جديدة، تَمهيدًا لسرقةٍ جديدة!
من رياض سلامه إلى نيكولاس مادورو، رحلةٌ بالمقلوب، في سفينة أبْحرت ولكن لن ترسو بعد على شاطئ. فعلى الشطآن بَحّارة قراصنة، الأرض أرضهم والجميع على أرضهم أدوات! حتى باتت رحلة العدالة منفى الأدوات!
أنا لا أدافع عن رياض سلامه ولا أتّهمه لوحده، فأنا لستُ قاضيًا ولا جلاّدًا، ولكن على مستوى بساطة عقول البشر، لا أستطيع أن أصدّق أنّ رجلاً واحدًا قد سرق الجمهورية لوحده. وإذا كان القضاء لا يَجرؤ على أن يطال الكبار، فلا أملَ في وطنٍ، يبقى مغارة علي بابا وزمرة كبيرة من اللصوص!
فيا أيّها الحكام الطوباويّون، قد ترشحون زيتًا من طهارتِكم، ولكنّ البلاد قد تدنّست وأصبح شعبُها كافرًا، وأنتم ساكتون لم تغيّروا في آرائكم والبلاد إلى زوال. أمآ آن الأوان لترحلوا وأزلامكم إلى الجحيم، حتى ولو استبدلناكم بشياطين آخرين؟!
أنتم لم تسرقوا- لا سَمح الله- ولكنّ عيونَكم الساهرة على وطنٍ منهوب، هي شاهدة على فشلكم الذريع بعد أكثر من أربعين سنة على اغتصابِكم الحكم. إرحلوا اليوم، قبل أن يسلّمَ الكبيرُ صغارَهُ، فتُبحِروا في رحلةٍ بَحرية بلا شطآن، وتكون من مادورو إلى سلامه رحلة الأدوات!
فوزي عساكر