المحامي أسامة العرب
تقترب الذكرى الثامنة والأربعون لتغييب الإمام موسى الصدر، ذلك العالم والمفكر ورجل الدولة الذي تجاوز حضوره حدود الطائفة، ليصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية اللبنانية والعربية. أربعة عقود وثمانية أعوام مرّت على غيابه القسري، من دون أن تنجح السنوات في طمس صورته، أو في إخماد الأسئلة الكبرى التي طرحها في زمن كان لبنان فيه يتخبط بين الحرمان والانقسام، وبين أزمة الدولة ومخاطر الحرب.
ولعل المفارقة الأشد دلالة أن لبنان اليوم، على الرغم من اختلاف الظروف وتبدّل اللاعبين وتراكم الأزمات، لا يزال يواجه أسئلة تشبه إلى حد بعيد تلك التي شغلت الإمام الصدر: أي وطن نريد؟ أي دولة نريد أن نبني؟ كيف نحمي الإنسان من الفقر والتهميش؟ وكيف نحافظ على وحدة لبنان وتنوعه من دون أن يتحول التنوع إلى ذريعة للانقسام، أو الطائفية إلى أداة لتعطيل الدولة؟
لم يكن الإمام موسى الصدر رجل دين بالمعنى التقليدي للكلمة، ولا سياسياً عابراً في مرحلة مضطربة من تاريخ لبنان. كان صاحب مشروع متكامل، انطلق من قناعة جوهرية مفادها أن الإيمان لا يكتمل إذا بقي منفصلاً عن الإنسان وقضاياه، وأن الدفاع عن كرامة الإنسان هو أحد أرقى وجوه الإيمان. ومن هنا جاءت رؤيته التي جمعت، في صيغة نادرة، بين الدين والوطن، وبين العدالة الاجتماعية والسياسة، وبين الانفتاح على الآخر والتمسك بالهوية، وبين مقاومة الظلم وبناء المؤسسات.
كان الصدر يرى الإنسان قبل الطائفة، والوطن قبل الاصطفاف، والدولة قبل العصبية. ولذلك لم يتعامل مع الحرمان بوصفه مشكلة اجتماعية هامشية، بل أدرك مبكراً أنه خطر سياسي ووطني يهدد وحدة لبنان ومستقبله. فحين يُترك الإنسان في أطراف الوطن بلا مدرسة، ولا مستشفى، ولا فرصة عمل، ولا أفق اقتصادي، يصبح الانتماء إلى الدولة نفسه موضع سؤال.
ومن هنا، لم يكتف الإمام بالتشخيص والخطابة، بل حاول تحويل أفكاره إلى مؤسسات ومشروعات. في الجنوب، حيث رأى بأم عينه وجوه الحرمان والتهميش، ارتبط اسمه بسلسلة من المبادرات التعليمية والاجتماعية والصحية والاقتصادية التي أراد من خلالها أن ينقل الناس من موقع الحاجة إلى موقع المشاركة، ومن الهامش إلى قلب الحياة الوطنية. فالمدرسة والمستشفى والمؤسسة الاجتماعية، في فلسفته، لم تكن أعمالاً خيرية منفصلة عن السياسة، بل أدوات لبناء مواطن أكثر قدرة على المشاركة، وأكثر تمسكاً بأرضه ووطنه وكرامته.
وكان مشروعه في جوهره محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فالدولة، في نظره، ليست جهازاً إدارياً فوق المجتمع، ولا امتيازاً لفئة دون أخرى، وإنما إطار للعدالة وحماية الحقوق وتأمين الفرص. لذلك دعا إلى إصلاح سياسي يراعي التنوع اللبناني، ويضمن التمثيل العادل، ويحمي الحرية، ويعزز الديمقراطية، ويجعل من العيش المشترك ممارسة سياسية واجتماعية يومية، لا مجرد عبارة تُستعاد في المناسبات.
ولم تكن هذه الرؤية منفصلة عن البعد العربي في فكر الإمام الصدر. فقد كانت فلسطين حاضرة في وعيه السياسي والإنساني بوصفها قضية عدالة وكرامة وحق، لا مجرد قضية جغرافية. وكان يرى أن لبنان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن محيطه العربي، كما لا يستطيع أن يحمي وحدته الداخلية إذا تخلى عن القضايا الكبرى التي تتصل بكرامة الإنسان العربي. وفي هذا السياق، نسج الإمام علاقات واسعة مع عدد من القادة العرب، وكان الرئيس جمال عبد الناصر من أبرز الشخصيات التي التقى معها على مساحة العروبة وقضايا التحرر.
ولذلك يصعب اختزال الإمام الصدر في إطار طائفي ضيق. لقد كان، في جوهر مشروعه، صاحب خطاب يتوجه إلى الإنسان اللبناني قبل أي انتماء آخر. دعا إلى نبذ التعصب، وإلى الانفتاح على الآخر، وإلى تثبيت العيش المشترك على قواعد الحق والعدالة والتسامح والعفو والصدق والأمانة والإحسان. وكان مؤمناً بأن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا تحوّل اختلاف أبنائه من مصدر خوف إلى مصدر غنى.
ومن هنا، فإن العنوان المستجد اليوم هو إعادة الإعمار؛ ليس باعتبارها عملية هندسية لإعادة بناء الحجر فحسب، وإنما باعتبارها مشروعاً لإعادة بناء الإنسان والاقتصاد والدولة معاً. فالجنوب لا يحتاج إلى إعادة تشييد البيوت والطرق والمؤسسات فقط، بل إلى ضمان أن يبقى أهله في أرضهم، وأن تتوافر لهم فرص التعليم والعمل والتنمية، وأن تتحول عملية النهوض من استجابة مؤقتة للدمار إلى رؤية وطنية متكاملة تعيد وصل الجنوب بالدولة وبالاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، تبرز المسيرة السياسية لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ظلّ طوال عقود، حاملاً لخط سياسي يرى في الحوار والوفاق الداخلي والعيش المشترك عناصر أساسية في حماية لبنان. وقد مثّل، امتداداً سياسياً للمدرسة التي أرساها الإمام الصدر، ولا سيما في ما يتصل بالدفاع عن الجنوب، ومواجهة الحرمان، والحفاظ على التوازنات الداخلية، والتمسك بالحوار باعتباره وسيلة لإدارة الخلافات اللبنانية.
وقد أظهرت التجربة اللبنانية أن الحفاظ على الوحدة الوطنية ليس مهمة سهلة، وأن السياسة في بلد شديد التنوع لا يمكن أن تُدار بمنطق الغلبة الدائمة. ومن هذه الزاوية، اكتسب خطاب الحوار والتسوية أهمية خاصة في المسار السياسي للرئيس بري، الذي هو بحق أحد أهم اللاعبين القادرين على فتح قنوات التواصل عندما تضيق مساحات التفاهم.
لكن استعادة إرث الإمام الصدر لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مديح لشخصيات الماضي أو الحاضر. فالإرث الحقيقي يُقاس بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة وأجوبة عملية. وإذا كان الإمام الصدر قد جعل من مقاومة الحرمان مشروعاً سياسياً، فإن المطلوب اليوم هو تحويل هذه الفكرة إلى سياسات عامة واضحة: إنماء متوازن، إدارة شفافة، قضاء فعّال، مؤسسات قادرة، اقتصاد منتج، تعليم جيد، ورعاية اجتماعية تحفظ كرامة الإنسان ولا تحوّله إلى أسير للحاجة.
ولو كان الإمام الصدر بيننا اليوم، لربما وجد أن كثيراً من القضايا التي حملها لم تغادر لبنان بعد. كان سيجد وطناً ما زال يبحث عن دولة قوية وعادلة، ومجتمعاً أنهكته الأزمات، وجنوباً يدفع مجدداً كلفة الصراع، وفلسطين لا تزال جرحاً مفتوحاً في الوجدان العربي. لكنه، على الأرجح، كان سيجد أيضاً أن مشروعه لم يمت، لأن الأفكار التي تُبنى على الإنسان لا تُغيّبها السنوات.
إن الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر ليست مناسبة لاستعادة رجل غاب وحسب، بل لاستعادة معيار سياسي وأخلاقي افتقده لبنان كثيراً: أن تكون الدولة في خدمة الإنسان، وأن يكون الاختلاف مدخلاً إلى التكامل لا إلى الاقتتال، وأن تكون العدالة الاجتماعية شرطاً للاستقرار، وأن يكون الوطن أوسع من الطائفة وأبقى من الزعامات.
ومن هنا، فإن الجنوب الذي عرف الحرمان، وذاق الاحتلال، وواجه الحروب، ودفع من أرضه وأبنائه ثمناً باهظاً، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه هامشاً جغرافياً أو ساحة للصراع فحسب. فالجنوب جزء أصيل من لبنان، وإعادة بنائه هي جزء من إعادة بناء لبنان نفسه. وتحريره، بالمعنى الأوسع، لا يكتمل فقط بإزالة الاحتلال أو وقف العدوان، بل بتحرير الإنسان من الفقر والخوف والتهميش، وبإقامة دولة قادرة على حماية مواطنيها وتأمين حقوقهم.
ربما لهذا السبب تحديداً بقي الإمام الصدر حاضراً بعد غيابه: لأنه لم يترك وراءه مجرد خطب وذكريات، بل ترك أسئلة لم تجد طريقها الكامل إلى الحل. وما دام لبنان لم يصل بعد إلى الدولة التي حلم بها، وما دام الجنوب لا يزال يناضل من أجل حقه في الأمن والتنمية والكرامة، فإن صوت الإمام الصدر سيظل جزءاً من النقاش الوطني. فثمانية وأربعون عاماً مضت، ولم يتحوّل الغياب إلى نهاية. فالرجال يغيبون، لكن المشاريع التي تتصل بكرامة الإنسان تبقى. والإمام موسى الصدر، في الذاكرة اللبنانية، ليس فقط صاحب قضية تغييب مستمرة، بل صاحب فكرة ما زالت تبحث عن وطن يليق بها.
ولعلّ الرسالة الأهم في هذه الذكرى أن الجنوب، كما لبنان كله، لا يحتاج إلى استعادة الماضي بقدر ما يحتاج إلى استعادة المعنى: معنى الدولة، ومعنى العدالة، ومعنى المقاومة للحرمان، ومعنى الوحدة الوطنية.
ومن تحت أنقاض الجنوب، ومن بين ركام البيوت والذكريات، يبقى الوعد قائماً بأن النهوض ممكن، وأن الأرض التي صمدت لن تُترك للخراب، وأن الجنوب سيتحرر مجدداً؛ لا من الاحتلال والعدوان فحسب، بل من الحرمان والتهميش واليأس أيضاً. وحين يصبح الإنسان حراً في أرضه، عزيزاً في وطنه، مصان الكرامة والحقوق، يكون الحلم الذي حمله الإمام موسى الصدر قد وجد أخيراً طريقه إلى الحياة.
المحامي أسامة العرب