حديث الجمعة_فضل الكلمة الطيبة
المهندس بسام برغوت
أمر الإسلام بحفظ اللسان، وحث على اختيار الألفاظ الحسنة، وجعل الكلمة الطيبة من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه. فالكلمة الطيبة ليست مجرد لفظ يقال، بل هي صدقة يؤجر عليها المسلم، وعبادة يثاب عليها، وسبب في نشر الخير والألفة بين الناس.
وقد بيّن الله تعالى مكانة الكلمة الطيبة في كتابه الكريم، فقال: ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ” ( سورة إبراهيم ). ففي هذه الآية الكريمة شبّه الله الكلمة الطيبة بالشجرة المباركة التي تمتد جذورها في الأرض، وترتفع أغصانها في السماء، وتؤتي ثمارها باستمرار، وكذلك الكلمة الحسنة تبقى آثارها الطيبة في القلوب، وينتفع بها الناس في الدنيا، ويكتب الله أجرها لصاحبها في الآخرة.
والكلمة الطيبة تشمل كل قول حسن، كذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن الكريم، والدعاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالحكمة، والنصيحة الصادقة، والكلام اللين، وإدخال السرور على القلوب، والإصلاح بين المتخاصمين، وكل لفظ يحمل الخير والمحبة والرحمة.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حسن الكلام، فقال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت “. فهذا الحديث العظيم يضع للمسلم قاعدة جامعة في كلامه، وهي أن يتكلم إذا كان في كلامه خير ونفع، أما إذا كان كلامه يسبب الضرر أو الفتنة أو الأذى، فالصمت خير له وأعظم أجرًا.
ومن فضل الكلمة الطيبة أنها سبب لمحبة الله تعالى ومحبة الناس، فالإنسان بطبيعته يميل إلى من يخاطبه بلطف واحترام، وينفر ممن يؤذيه بكلامه. ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى نبيه موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون، وهو من أشد الناس ظلمًا وطغيانًا، بالقول اللين، فقال تعالى: ” فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ” ( سورة طه). فإذا كان هذا الأمر مع فرعون، فكيف يكون تعامل المسلم مع إخوانه وأهله وأصدقائه؟
كما أن الكلمة الطيبة سبب في نشر المحبة بين أفراد المجتمع، فهي تزيل الحقد، وتطفئ نار الغضب، وتقوي روابط الأخوة، وتزرع الاحترام بين الناس. فكلمة شكر، أو دعاء صادق، أو اعتذار جميل، أو مواساة لمصاب، قد تغير حياة إنسان، وتخفف عنه همًا كبيرًا، وتترك أثرًا لا ينسى.
وللكلمة الطيبة ثواب عند الله تعالى كإعطاء الصدقات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة». وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، إذ جعل أبواب الخير كثيرة ومتنوعة، فمن لم يملك مالًا يتصدق به، فإنه يستطيع أن يتصدق بكلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو دعاء نافع، فينال بذلك الأجر العظيم.
ومن أعظم صور الكلمة الطيبة ذكر الله سبحانه وتعالى، فهو يطمئن القلوب، ويزيد الإيمان، ويغفر الذنوب، ويرفع الدرجات. قال تعالى: ” أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ” (سورة الرعد). ولذلك كان المسلم يحرص على الإكثار من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والاستغفار، لأنها كلمات يسيرة على اللسان، عظيمة في الميزان.
ومن الكلمة الطيبة أيضًا الدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد قال الله تعالى: ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ” (سورة النحل). فالداعية الناجح هو الذي يختار أجمل العبارات، وألين الأساليب، ويبتعد عن الشدة والغلظة، لأن النفوس تميل إلى اللين، وتستجيب للكلام الحسن أكثر من استجابتها للكلام القاسي.
وفي المقابل، حذر الإسلام من الكلمة السيئة، لأنها قد تهدم البيوت، وتفسد العلاقات، وتنشر البغضاء بين الناس، وربما كانت سببًا في دخول النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب “. ولذلك ينبغي للمسلم أن يزن كلامه قبل أن ينطق به، وأن يتذكر أن الله تعالى يسمع كل كلمة ويكتبها.
إن المسلم الصادق يجعل لسانه عامرًا بالخير، فلا يغتاب، ولا ينم، ولا يكذب، ولا يسب، بل يحرص على أن تكون كلماته سببًا للإصلاح لا للإفساد، وللتقريب لا للتفريق، وللرحمة لا للقسوة. وإذا أخطأ أحد في حقه، قابله بالحلم والعفو والكلمة الحسنة، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أحسن الناس خلقًا وألينهم كلامًا.
وفي حياتنا اليومية نحتاج إلى الكلمة الطيبة في كل مكان؛ في البيت مع الأهل وبين الزوجين والأبناء، وفي المدرسة بين المعلم والطلاب، وفي العمل بين الزملاء، وفي المجتمع مع جميع الناس. فكم من إنسان تغيرت حاله بسبب نصيحة مخلصة، وكم من قلب امتلأ بالأمل بسبب كلمة تشجيع، وكم من خصومة انتهت بسبب كلمة اعتذار صادقة.
ختاماً ،
فإن الكلمة الطيبة من أعظم نعم الله على عباده، وهي دليل على حسن الإيمان وكمال الأخلاق، وبها ينال المسلم رضا الله تعالى ومحبة الناس، وتبقى آثارها المباركة في الدنيا والآخرة. فعلينا أن نحفظ ألسنتنا، وأن نحرص على أن تكون كلماتنا سببًا في نشر الخير والمحبة والتسامح، وأن نتذكر دائمًا أن كل كلمة نقولها مكتوبة عند الله تعالى، وسنحاسب عليها يوم القيامة، فطوبى لمن جعل لسانه عامرًا بذكر الله، وقلبه مملوءًا بالإيمان، وكلامه مليئًا بالحكمة والرحمة والصدق، ليكون من الفائزين برضا الله وجنته.
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.