حديث رمضان_رمضان بين تغذية الروح والنزوح

31

الشيخ د. أسامة حداد
المفتش العام للأوقاف في دار الفتوىt
في زمنٍ تتقلب فيه الأحوال بين أمنٍ وخوف، ورخاءٍ وضيق، يمرّ الوطن بمحطاتٍ تختبر صلابة أبنائه وعمق إيمانهم. وما شهده لبنان مؤخرًا من حربٍ غير متوقعة، تبعتها موجات نزوح واسعة وأوضاع اجتماعية واقتصادية قاسية، لم يكن حدثًا عابرًا في سجل الأيام، بل كان زلزالًا غيّر ملامح الحياة اليومية، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، الذي اعتاد اللبنانيون أن يستقبلوه بمظاهر الفرح، وتقاليد التكافل، وموائد الإفطار الجامعة، والأنشطة الروحية العامرة.
فجأةً، خفَتت أضواء كثير من الإفطارات الخيرية التي كانت تجمع الصائمين على مائدة واحدة، وتقلّصت أنشطة المساجد، وخُفّفت صلاة التراويح في بعض المناطق مراعاةً للظروف الأمنية والمعيشية، وتحوّل الشهر من موسم احتفالٍ اجتماعي واسع إلى زمن تضرّعٍ صامت، وتكافلٍ مسؤول، وصبرٍ جميل. هنا يبرز معنى الإيمان الحق، الذي لا يرتبط بالرخاء وحده، بل يتجلّى في الشدة والابتلاء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز…». هذا الحديث يرسم منهجًا متكاملاً للتعامل مع الأزمات؛ فالقوة المطلوبة ليست قوة الجسد فحسب، بل قوة الإيمان، والثبات، والمبادرة، والعمل المنتج. في زمن الحرب والنزوح، نحتاج إلى مؤمنين أقوياء في صبرهم، أقوياء في تضامنهم، أقوياء في قدرتهم على تحويل المحنة إلى فرصة للترابط والتراحم.
لقد مررنا في حياتنا بأيامٍ نفرح بها ونتمنى دوامها، وأيامٍ نحزن فيها ونتمنى انقضاءها سريعًا. لكن الإيمان العميق يُعلّمنا أن هذا وذاك من قدر الله تعالى. وفي سنن أبي داود أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال لابنه: “يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك”. وكذلك جاء في سنن البيهقي عن سلمان رضي الله عنه في تعريفه للإيمان بالقدر. هذه الكلمات ليست عبارات تُتلى فحسب، بل زادٌ روحي يُعين الناس على تجاوز آثار الحرب، وفقدان البيوت، ومرارة النزوح.
إن الإيمان بالقدر لا يعني الاستسلام السلبي، بل يعني الجمع بين الأخذ بالأسباب والتسليم لحكمة الله. يقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، ويقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. فالابتلاء قد يكون بابًا لخيرٍ خفي، كما كانت نجاة يوسف عليه السلام من كيد النساء سببًا في دخوله السجن سنوات، ثم كان ذلك طريقًا إلى التمكين واستلامه ملك مصر. وربّ شدةٍ حملت في طياتها لطفًا إلهيًا لا ندركه إلا بعد حين.
ومن أعظم ما يهوّن المصاب أن نستحضر رحمة الله تعالى بعباده. ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً بأمٍ وجدت طفلها بعد فقد، فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها». فإذا كان هذا هو مقام الرحمة الإلهية، فكيف ييأس مؤمن أو يقنط، مهما اشتدت الظروف؟
غير أن الإيمان الحق لا يقتصر على الجانب الفردي، بل يمتد إلى المسؤولية الاجتماعية. ففي ظل النزوح الداخلي الذي شهده لبنان، فُتحت أبنية كثيرة لاستقبال عائلاتٍ فقدت مأواها. وهنا يتجلّى معنى التكافل الذي دعا إليه الإسلام، خاصة في رمضان، شهر الاحسان. لقد أصبح من اللازم على أهل البلاد أن يعزّزوا روح التعاون، وأن يسدّوا ما استطاعوا من حاجات إخوانهم، وأن يحفظوا كرامة النازحين، فهم شركاء في الألم والمصير.
وفي المقابل، فإن على الضيوف النازحين مراعاة آداب الضيافة، بحسن التعامل، واحترام الجوار، والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة، وتقدير ظروف المجتمعات المضيفة التي تعاني أصلًا من ضيق اقتصادي. فالتكافل طريقٌ ذو اتجاهين: عطاءٌ كريم من المضيف، وشكرٌ والتزامٌ من الضيف. وبهذا تتحول الأزمة إلى مساحة تعارف وتراحم، لا إلى بؤرة توتر أو سوء فهم.
إن عبارة “قدّر الله وما شاء فعل” ليست تبريرًا للكسل أو العجز، بل هي خاتمة الجهد وبداية الرضا. نبذل ما نستطيع، نستعين بالله، ثم نُفوّض الأمر إليه. يقول تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
لقد غيّرت الحرب ملامح رمضان هذا العام، لكنّها لم تستطع أن تنتزع روحه. قد تُلغى موائد الإفطار الجماعية، لكن يمكن أن تُستبدل بسلالٍ غذائية تصل إلى البيوت بصمتٍ وكرامة. قد تُخفّف التراويح، لكنّ قيام الليل في البيوت لا يمنعه أحد. قد تضيق المساحات، لكنّ القلوب إذا اتسعت احتوت الجميع.
إن لبنان، الذي عرف عبر تاريخه المحن والنهوض بعدها، مدعوّ اليوم إلى استحضار طاقته الإيمانية والإنسانية معًا. فالمؤمن القوي هو الذي يحوّل الألم إلى أمل، والخسارة إلى درس، والابتلاء إلى سلّمٍ يرتقي به إلى درجات أسمى من الرضا والتسليم. ومع كل ما حدث، يبقى الوعد الإلهي حاضرًا: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
فلنقل بقلوبٍ مطمئنة: قدّر الله وما شاء فعل. ولنجعل من هذا القول طاقة عمل، وروح تضامن، وجسرًا نعبر به من ضيق المحنة إلى سعة الرجاء، واثقين بأن اختيار الله هو الخير، وإن خفيت عنا وجوهه في البداية.
نسأل الله تعالى أن يرفع عنا البلاء وأن يحفظ بلدنا وبلاد العرب وبلاد الحرمين الشريفين وسائر بلاد المسلمين من كل سوء إنه على كل شيء قدير.
الشيخ د. أسامة حداد

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.