رُباعيّة إسلام آباد: مواجهة الهيمنة الإسرائيلية؟
بقلم محمد قواص
«أساس ميديا»
في 19 آذار الجاري، وعلى هامش اجتماع ضمّ في الرياض وزراء خارجية 12 دولة عربيّة وإسلاميّة، انعقد اجتماع رباعيّ لافت اقتصر على وزراء أربعة: محمّد إسحاق دار من باكستان، هاكان فيدان من تركيا، بدر عبدالعاطي من مصر، وفيصل بن فرحان من المملكة المملكة السعودية. أدان الاجتماع الموسّع اعتداءات إيران على دول الجوار، ولوّح البيان الختاميّ بـ”حقّ الردّ”، لكنّ الاجتماع الجانبيّ أماط اللثام عن المشهد الرباعيّ لـ”محور” ظهر مجدّداً في اجتماع إسلام آباد الأحد. فما القصّة؟
أعادت ظروف الحرب وأعراضها الخطِرة التي استهدفت دول المنطقة (الخليجيّة خصوصاً) رسم الأدوار. برزت وساطة باكستان على حساب تلك التقليديّة التي لعبتها قطر وعُمان خلال العقود الأخيرة. حتّى في باكستان نفسها، فوجئ المراقبون بوظيفة ترفع أدوار البلد إلى مستوى مفصليّ داخل المشهدين الإقليميّ والدوليّ. تتمتّع باكستان بموقف محايد وبعلاقات جيّدة مع إيران، وعلاقات تعاون تاريخيّة مع الولايات المتّحدة، وعلاقات ممتازة مع الصين، علاوة على موقعها الجيوستراتيجيّ على الحدود مع إيران.
تقول مصادر في إسلام آباد إنّ تحرّك باكستان لم يكن كافياً. وفّرت المملكة السعوديّة للتحرّك الباكستانيّ المساحات الوازنة. جرى تشكّل تلك الرباعيّة في الرياض برعاية من المملكة وهندستها. لا تتّفق الدول الأربع على مزاج متطابق في مقاربة أزمة الحرب، لكنّها متقاطعة على أن تشكِّل مجتمعة قاسماً مشتركاً صلباً للتأثير على مآلات الحرب ورسم خرائط ما بعدها. بدا أنّ في ذلك التعدّد بين غضب سعوديّ من استهداف إيران للمملكة والخليج وتحذير تركيا لإيران بعد استهداف أجوائها وخطاب باكستان ومصر الداعي إلى التهدئة والحوار، مشهداً متكاملاً للفعل.
حاجة واشنطن إلى هذا التّحرّك
بدا أنّ واشنطن احتاجت إلى تحرّك هذه الأوزان الثقيلة. الدول الأربع حليفة للولايات المتّحدة وصديقة لإدارة الرئيس دونالد ترامب: باكستان دولة إسلاميّة نوويّة كبرى. تركيا دولة إسلاميّة عابرة لقارّتين وعضو في حلف الناتو. المملكة السعوديّة ومصر ركنان تاريخيّان أساسيّان في تقرير وجهات العالم العربيّ. لكنّ الدول الأربع تمثّل أيضاً “مارداً” سنّيّاً لطالما أثار تشكّله استفزاز رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو وأوهن مزاعمه عن رسمه لشرق أوسط جديد.
ترتبط باكستان والمملكة السعوديّة بعلاقات تاريخيّة قد لا يعرف العامّة عنها الكثير. موّلت الرياض برنامج باكستان النوويّ حين حاصرتها القوى الكبرى لمنعها من الردّ على القنبلة الهنديّة بالقنبلة “الإسلاميّة”. ارتبطت الدولتان في عام 2025 باتّفاق دفاع مشترك تسعى تركيا إلى أن تكون ضلعه الثالث. حين استهدفت إيران المملكة السعوديّة همست إسلام آباد في أذن طهران بشبه تحذير مع تأكيد باكستان رفضها للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران.
فرض قواعد جديدة
على أساس الموقف الجماعيّ لـ12 دولة عربيّة وإسلاميّة المُدين لسلوك إيران ضدّ دول المنطقة، قرّر المشهد الرباعيّ فرض قواعد جديدة للعبة تقرّرت من خارج المنطقة. كان أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ في إيران علي لاريجاني قد شنّ هجوماً على الدول الإسلاميّة متّهماً إيّاها بعدم دعم بلاده. لم يُظهر الراحل وقادة الجمهوريّة الإسلاميّة مراجعة لسلوك أدّى إلى عزلة إيران عن محيطها. بدا أنّ الرباعيّة تتشكّل متدثّرة بغطاء عربيّ إسلاميّ شامل لتقترح على إيران بيئة حاضنة لمفاوضات ترعاها إسلام آباد بين واشنطن وطهران. بات همّ المنطقة الأوّل وقف الحرب وردّ شططها المنفلت.
تُظهر إيران أوّل أعراض إصغائها لما يجري في كوكبنا. تتواصل طهران مع إسلام آباد باهتمام. تسمح بمرور 20 سفينة تحمل العلم الباكستانيّ في مضيق هرمز، وهو ما اعتبره ترامب من علامات السلم. يشي التطوّر أيضاً بحاجة طهران إلى الاحتماء بمظلّة هويّاتيّة طبيعيّة لطالما عادتها وجعلتها نقيضاً لـ”ثورتها”. لا تبدو الرباعيّة قادرة على تغيير مسارات الحرب وما يحضَّر من طابع برّيّ لها، لكنّها قادرة على الإدلاء بدلو يساعد في إنهائها، وتتموضع لكي تكون بشكل ما إلى طاولة ما يُعدّ لما بعد تلك النهاية.
لن تسمح بتكرار خطيئة أوباما
لن تسمح دول المنطقة بإبرام تفاهم بين واشنطن وطهران يلاقي “النصر” الذي يريده ترامب ولا يلاقي مصالح المنطقة. لن تسمح بتكرار خطيئة ارتكبها الرئيس الأميركيّ الأسبق باراك أوباما حين انتشى باتّفاق توصّل إليه مع إيران عام 2015 من دون التشاور مع أهل المنطقة وعلى حساب مصالحهم، وارتكب بعدها “وقاحة” نصحهم بتشارك النفوذ مع إيران وكأنّه يقرّر ويهندس رسم موازين القوى الجديدة. لن تسمح دول المنطقة بواجهتها الرباعيّة أن تتقدّم إسرائيل في المنطقة لملء ما تتخيّله اختلالاً في موازين القوى.
تهمس المعلومات أنّ تحرّك باكستان يستند إلى هياكل الأمن والدفاع التي تقوم عليها الدولة وتملك قنوات اتّصال مع أجهزة المخابرات في العالم، وفي طهران. يستند أيضاً إلى علاقة قائد الجيش الباكستانيّ الجنرال عاصم منير (الذي يُعتبر الحاكم الفعليّ للبلاد) مع “الدولة العميقة” في الولايات المتّحدة ومع الرئيس دونالد ترامب شخصيّاً. هذا يعني أنّ الحراك الباكستانيّ وامتداداته صوب بقيّة الدول قد يكون حظي بمراقبة إيجابيّة من قبل واشنطن اللاعب الأوّل في الحرب.
يذهب رئيس جهاز الاستخبارات في تركيا إبراهيم كولن إلى الكشف أنّ كلّ دول المنطقة مقتنعة بأنّ إنهاء الحرب يحتاج إلى تحرّك يعتمد على “ديناميّات إقليميّة” من أجل منع إسرائيل من جرّ المنطقة إلى حرب شاملة تطال دولاً وقوميّات وطوائف. من يراقب مواقف الدول الأربع من الحرب يستنتج أجندات وقراءات متعدّدة، لكنّها تتقاطع جميعاً عند العمل على صدّ العامل الإسرائيليّ ووقف عبثه بمنطقة يقع على أهلها فقط تقرير مساراتها ومصيرها. إذا كانت الحرب ستنتهي كما تنتهي الحروب على طاولة التسويات، فإنّ الدول الأربع بعثت بأولى إشارات الرغبة بأن تكون بشكل ما حاضرة في أيّ تسويات.
محمد قواص
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.