قرار الحكومة بنزع سلاح الحزب والإجماع الوطني الموجب للتنفيذ

21

بقلم د. ابراهيم العرب
يشكّل قرار مجلس الوزراء القاضي بحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية، وحظر أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار الشرعية من خلال نزع سلاح الحزب، محطة تاريخية في مسار استعادة الدولة لسيادتها الكاملة. فهذا القرار لا يُختزل بإجراء تنظيمي أو بخطوة ظرفية تمليها التطورات الميدانية، بل يعبّر عن تحوّل نوعي في مقاربة السلطة لمفهوم الدولة ووظيفتها الجوهرية. فالدولة، وفق التعريف الكلاسيكي الذي صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر، هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة ضمن حدوده الجغرافية، وأي خروج عن هذا الاحتكار يعني عملياً تقويضاً لأساس الشرعية السياسية، وفتحاً لباب الفوضى المقنّعة أو الصراعات بالوكالة.
من هنا، فإن الإشادة الواسعة بقرار مجلس الوزراء ليست تعبيراً عن اصطفاف سياسي، بل هي موقف مبدئي ينطلق من صلب مفهوم الدولة الحديثة. فلبنان عانى لعقود من ازدواجية السلاح وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، ما أدى إلى إضعاف موقعه التفاوضي إقليمياً، وإلى تحميل شعبه أثماناً باهظة من دمائه وأرزاقه واستقراره. فلقد دفعت مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، كما سائر المناطق اللبنانية، كلفة بشرية ومادية جسيمة نتيجة انخراط قوى غير خاضعة للقرار الرسمي في مواجهات عسكرية تتجاوز المؤسسات الدستورية. فلقد تم تهجير المدنيين، وتدمير المنازل، وتعطيل الدورة الاقتصادية، وتعريض البلاد لمخاطر تصعيد واسع، كلها نتائج مباشرة لواقع السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
إن قرار نزع سلاح الحزب يعبّر، في جوهره، عن إرادة رسمية بإنهاء هذه الازدواجية، وإعادة الاعتبار إلى مبدأ وحدة المرجعية الأمنية. وقد اكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً مع تأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن القرار «سيادي ونهائي لا رجوع عنه»، وأن تنفيذه أُوكل إلى الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية في جميع المناطق اللبنانية. وإن هذا الموقف يرسّخ قناعة بأن استعادة هيبة الدولة لا تتحقق عبر البيانات، بل عبر قرارات تنفيذية واضحة، مقرونة بإرادة سياسية صلبة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الموقف المسؤول الذي عبّر عنه الوزراء المحسوبون على حركة أمل داخل الحكومة، حيث وقفوا إلى جانب قرار مجلس الوزراء ولم يسجّلوا اعتراضاً عليه، بما يعكس توجهاً داعماً لاستعادة الدولة دورها الكامل. كما يُفهم من الكواليس السياسية أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يتقاطع مع هذا المسار، انطلاقاً من تأكيده الدائم على ضرورة أن تضطلع الدولة اللبنانية بمسؤولياتها السيادية. وإن هذا التقاطع بين موقع رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي ومكونات أساسية في السلطة التنفيذية يمنح القرار بعداً وطنياً عابراً للاصطفافات، ويعزز فرص تنفيذه بثبات.
كما أن الإشادة بقرار مجلس الوزراء تنبع أيضاً من كونه يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. فالمواطن في الدولة الحديثة يمنح السلطة حق استخدام القوة مقابل ضمان الأمن وحماية الحقوق. أما حين يتعدد حاملو السلاح وتتباين مراكز القرار، فإن المواطن يتحول إلى رهينة لتوازنات لا يملك التأثير فيها. لذلك، فإن حصرية السلاح بيد الدولة ليست مسألة تقنية أو أمنية فحسب، بل هي مسألة عقد اجتماعي ومواطنة متساوية أمام القانون.
غير أن القرار، مهما بلغت أهميته، يبقى ناقصاً ما لم يُترجم إلى واقع ميداني. وهنا يبرز الدور المركزي للجيش اللبناني، المؤسسة الوطنية الجامعة التي تشكّل الركيزة الأساسية في تنفيذ هذا التحول السيادي. فالجيش ليس طرفاً سياسياً، بل هو الذراع التنفيذية الشرعية للدولة، والمخوّل دستورياً بفرض القانون وحماية الحدود وصون الاستقرار الداخلي. وإن الجيش اللبناني الباسل، بما يملكه من خبرة ميدانية واحترافية وانضباط، مدعو اليوم إلى ممارسة كامل صلاحياته في بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها، من دون استثناء أو تمييز.
ويقتضي التنفيذ الحازم للقرار جملة من الخطوات المتكاملة:
أولاً، الانتشار الشامل والمنظّم للقوى الشرعية في مختلف المناطق، بما يضمن إنهاء أي مظاهر مسلحة خارج الإطار الرسمي.
ثانياً، ضبط أي نشاط عسكري أو أمني غير مرخّص، وإحالته إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية، تأكيداً لمبدأ سيادة القانون.
ثالثاً، توفير حماية متساوية لجميع المواطنين، بما يرسّخ الثقة بالمؤسسات ويعزز الشعور بالأمان الجماعي.
رابعاً، اعتماد الشفافية في التنفيذ، بما يقطع الطريق أمام أي تأويلات أو اتهامات بالانتقائية.
إن هيبة الدولة لا تُستعاد بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء. وكل تردد في التنفيذ يضعف صدقية القرار، ويبعث برسائل سلبية إلى الداخل والخارج حول قدرة الدولة على فرض سيادتها. لذلك، فإن توفير الغطاء السياسي الكامل للجيش والأجهزة الأمنية يُعدّ شرطاً لا غنى عنه. فالمؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتحرك بفعالية في بيئة انقسامية أو تحت ضغوط متناقضة. إن المطلوب اليوم هو إجماع وطني حقيقي يعتبر أن أمن الدولة يسمو على أي اعتبار حزبي أو فئوي. كما أن هذا المسار يحتاج إلى مواكبة إقليمية ودولية مسؤولة، فاستعادة لبنان لسيادته الكاملة تخدم استقرار المنطقة بأسرها. وفي هذا الإطار، يكتسب دعم كل من جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي ومجلس الأمن الدولي أهمية مضاعفة، سواء عبر توفير غطاء سياسي للقرار، أو من خلال دعم قدرات الجيش اللبناني لوجستياً وتقنياً. فالدولة التي تسعى إلى فرض احتكارها المشروع للسلاح يجب أن تحظى بإسناد دولي يعزز قدرتها على مواجهة التحديات، بالتوازي مع ضرورة وقف أي اعتداءات خارجية تمسّ سيادتها ووحدة أراضيها.
ولا يقتصر الأمر على البعد الأمني. فنجاح عملية نزع السلاح يتطلب مقاربة شاملة تعالج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بواقع السلاح؛ إذ غالباً ما يتشابك النفوذ العسكري مع شبكات خدمات واقتصاد محلي. من هنا، ينبغي أن ترافق عملية التنفيذ سياسات تنموية تعزّز حضور الدولة في المناطق المعنية، وتؤمّن بدائل اقتصادية عادلة، بما يحول دون أي فراغ قد يُستغل لإعادة إنتاج مظاهر السلاح خارج الشرعية.
خلاصة القول، إن قرار مجلس الوزراء يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس واضحة: سيادة غير منقوصة، مؤسسات فاعلة، قضاء مستقل، وجيش واحد يحتكر السلاح. إنه إعلان انتقال من منطق التوازنات الهشة إلى منطق الدولة القادرة. وهو اختبار حقيقي لمدى استعداد القوى السياسية لوضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. ولبنان يقف اليوم أمام مفترق حاسم. فإما أن يُستثمر هذا القرار لترسيخ نموذج الدولة الواحدة التي تدير تنوعها ضمن مؤسساتها، وإما أن تتبدد الفرصة ويستمر منطق الازدواجية الذي أنهك البلاد وأضعفها. وعليه، إن الإشادة بقرار نزع السلاح تكتمل فقط بتنفيذه الكامل، عبر جيش لبناني باسل وأجهزة أمنية شرعية تمارس صلاحياتها بثبات وثقة، في ظل غطاء سياسي جامع ودعم إقليمي ودولي مسؤول.
وفي الختام، إنها لحظة استعادة للسيادة، ولإعادة الاعتبار لكرامة اللبنانيين الذين يستحقون دولة تحميهم لا أن يكونوا وقوداً لصراعات الآخرين. والطريق ليس سهلاً، لكن الإرادة السياسية الواضحة، والتنفيذ الحازم، والتفاف اللبنانيين حول مؤسساتهم الشرعية، كفيلة بتحويل هذا القرار من نص رسمي إلى واقع وطني راسخ، يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: دولة واحدة، جيش واحد، وسلاح واحد تحت راية الشرعية اللبنانية.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.