أنا لستُ خائنًا

6

بقلم فوزي عساكر

رئيس تحرير مجلة «العالمية»

في رحلةِ صيد، نَزلَ صيّادٌ ضيفًا على أحد أقارب أمّه، يشرب القهوة ويتلذّذ بضيافة فاكهة الضيعة، فأُعجبَ بابنتهم، واشتهى أن يصطادها قبل صيد الطيور.

قدّمت الابنةُ القهوة والفاكهة للضيف، وجلست خجولةً بِجانب أمّها. وبعد القهوة، عرض الصيادُ على الأمّ الزواجَ بابنتها، وأردفَ قائلاً: «نَحن أقارب لأمّي، ولا أعتقد أنّكم تعارضون زواجي بابنتكم.» فقالت له الأمّ: «القرار لابنتي وليس لي.» وسألت ابنتها فأجابت: «نَحن نَحترمُ أمك وعائلتها، فهي قريبةٌ لنا، ونقدّر طلبك ونَحترمكَ، ولكن هذا لا يعني أنني مقتنعة بالزواج، فأنا دعوَتي أن أكونَ راهبة.»

غضبَ الصيادُ، وغادرَ ذلك البيت، وراح يُشهّر بالصبية، وينعتها بنعوتٍ مُهينة، متجنّيًا عليها كذبًا، ويتّهم أمّها أنّها لم تسعَ إلى تزويـجه ابنتها بالرغم من القرابة بين العائلتين. وهذا الصياد لم يفهم أنّها رفضت عرضه باحترام، ولَها الحق في اختيار سلوك حياتِها بنفسها، من دون أن تكون خائنة أو معادية لأحد.

وهكذا وقع الخصام بين العائلتين، فراحت عائلة الصياد تتّهم عائلة الصبيّة بالخيانة والاتّهامات الباطلة، وتتّهم الصبيّة بأنّ لَها علاقاتٍ مشبوهةً مع صبيان الشارع، حتى بلغت سـمعتُها السيئة قلوبَ الأطفال والرُّضَّع، كي يتجذّر الحقد من جيلٍ إلى جيل، وحلّلَ الصيادُ دماءَها بِمجرّد أنّها رفضت الزواج به.

لذلك يا أخي بالوطن، كُنْ لي أخًا بالـمواطنية، فأنت تطلب منّي أن أكونَ بِجانبكَ في ميدان الحرب، وأنا أسعى لصيغةِ تَفاهُم قد تُجنّبُنا جَميعًا ويلات الحرب. فقد لا تكون صيغتي مثالية، ولكن هي أفضل من الحرب والموت في الميدان. وقد أثبتَ الـميدان عدمَ تكافؤ القوة بيننا وبين أعدائنا. فقد قتلوا أحبّاءَنا وهدموا بيوتَنا واحتلّوا قرانا ومدنَنا، وهم يصطادون خيرةَ شبابِنا، ونَحن لم نستطع ردعَهم بكل ما أوتينا من سلاح ورجالٍ وعقيدة، فهل المطلوب أن نكونَ جَميعُنا في الميدان لنموتَ جَميعًا رافضين التفاوض مع العدوّ، أو أنك يا أخي ستعتبرني خائنًا وعميلاً! أنا لستُ خائنًا… وأنا لا أنفّذ أوامر العدوّ، بل أنت الذي كنتَ تترك بيتك وأرضَك في دقائك، عندما كان المتحدّث باسم جيش العدوّ يأمرك بالإخلاء ليهدمَ بيتَكَ وجنى عمركَ بلحظةٍ واحدة! فإخلاؤكَ الفوري ألَم يكن تنفيذًا- ولو مرغَمًا- لأوامر العدوّ؟!

أنا لستُ خائنًا ولا عميلاً، فأنا استقبلتُكَ في بيتي، واشتركتُ معكَ في دفنِ شهدائكَ، وتبيّنَ أننا غارقون في حربٍ عقائدية أبدية، قد تؤدّي إلى احتلال العدوّ لوطننا بأكمله، ولِحرقِ مواسِمنا، وهدمِ مدننا وقرانا، ومَحوِ تاريـخِنا… فلِماذا أنا خائن وأنت على حقّ؟ بعد كلّ التجارب التي دمّرت وطننا المشترك، ألا نستطيع معًا تغييرَ قواعد اللعبة؟!

أنا لستُ خائنًا ولا عَميلاً… أنا لا ألتقي العدوَّ وجهًا لوجه، إلاّ من أجل إنقاذ ما تبقّى من أرضٍ كانت وطنًا بالأمس القريب!

أنا لستُ خائنًا… أرجوكَ افهمني… انا لا أشتهي لك الموت، أنا أطلبُ لك الحياة. فإذا كانت تلك الصبيّة قد رفضت الزواج بالصياد، فهذا لا يعني أنّها عاهرة، إنّما لَها رأيٌ آخر!

يا أخي بالوطن… يا أخي الذي شاركتَني بيتي ومأكلي ومشربي في مِحنتكَ، هل تتّهمني أنني أخونكَ إذا لم أقبل الحرب العبثية والموت المجاني؟!

بربِّكَ لا تَحقد عليَّ… فأنا أمدُّ لكَ يدي، ولكن ليس عندك من رأيٍ سوى الميدان، وقد أثبتَ الميدان أننا في حربٍ انتحارية. إقتربْ منّي يا أخي، وتعالَ ننقذ ما تبقّى من وطن، فالصبيّة التي رفضت الزواج بالصياد، ليست عاهرة ولا خائنة ولا عميلة، إنّما لَها رأيٌ آخر!

فوزي عساكر

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.