إسرائيل والانتقام في المكان الخطأ
بقلم محمد السماك
«أساس ميديا»
الجرائم ضدّ الإنسانيّة التي ارتكبتها القوّات الإسرائيليّة في قطاع غزّة، والجرائم ضدّ الإنسانيّة التي يتوالى ارتكابها على يد المستوطنين اليهود مع عناصر الجيش الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة، تعيد إلى الأذهان وقائع الصراع اليهوديّ ضدّ الرومان في فلسطين قبل حوالي ألفَي عام.
في ذلك الوقت قامت حركة يهوديّة تُدعى “زيلوت” (ومنها صاغت اللغة الإنكليزيّة كلمة المتطرّفين والمتشدّدين) بعصيان مسلّح ضدّ القوّات الرومانيّة. قُتل الكثير من اليهود ومن الرومان في معارك استمرّت أيّاماً، إلّا أنّها انتهت بانتصار الرومان الذين طاردوا المتشدّدين اليهود حتّى آخر رجل.
من روما إلى الضّفّة وغزّة: تتبدّل هويّة الضحيّة والجلّاد
كان الرومان (الذين دمّروا الهيكل اليهوديّ في عام 70 قبل الميلاد واستولوا على كلّ محتوياته) يفرضون على الأسرى من اليهود الاختيار: إمّا الانتحار أو القتل بعد التعذيب. ولذلك انتحر كثير منهم. ويقدّر المؤرّخون عدد الضحايا من اليهود في ذلك الوقت بحوالي عشرة آلاف. وهذا رقم كبير بمقاييس عدد السكّان. منذ ذلك الوقت لم تقُم لليهود قائمة في الأرض المقدّسة الى أن تمّت صناعة إسرائيل الحاليّة. كانت تلك الواقعة بمنزلة المذبحة الأولى. وكان الإمبراطور الرومانيّ بمنزلة أدولف هتلر الأوّل.
يروي المؤرّخ اليهوديّ فلافيوس جوزيفوس أنّه خلال إحراق الهيكل اليهوديّ، كانت القوّات الرومانيّة تطارد من بقي من اليهود لقتلهم حيث تجدهم من دون سؤال أو محاكمة. يكفي أن يكون الإنسان يهوديّاً حتّى يُقطع رأسه بالسيف. وهذا ما يحدث في الضفّة الغربيّة اليوم، وهذا ما حدث قبل ذلك في غزّة، ويتواصل حتّى اليوم. ولكنّ الضحيّة هذه المرّة هو الفلسطينيّ وليس اليهوديّ … والقاتل هو المستوطن اليهوديّ وليس الجنديّ الرومانيّ.
مسرحية القتل الانتقاميّ الجماعيّ من الأبرياء واحدة. والمسرح واحد. إلّا أنّ الأدوار والأبطال اختلفوا، لكن إلى متى؟
القوّة لا تهزم إرادة الشّعوب
لم يتعلّم أحد من دروس التاريخ، وما أكثرها. حاول هتلر إخضاع الجنرال جوزف تيتو على الرغم من احتلال القوّات النازيّة لكلّ يوغوسلافيا السابقة، لكنّه فشل. فالجيش القويّ يتفوّق في الحرب وفي القتال، لكنّه لا ينتصر على إرادة الحياة والتمسّك بالحقوق.
لقد انسحبت الولايات المتّحدة، وقبلها فرنسا، من فيتنام. وانسحبت من العراق. وبعد ذلك من أفغانستان بصورة مذلّة. ليس الاحتلال وحده لا يدوم، بل الهيمنة بالقوّة المسلّحة لن تدوم أيضاً.
عندما كانت بريطانيا تحتلّ ماليزيا، رفع قائد القوّات البريطانيّة في ذلك الوقت الجنرال جيرالد تمبلر شعاراً قال فيه : “لا نحتاج إلى المزيد من الجنود للزجّ بهم في الغابات، لكنّنا نحتاج إلى مزيد من الحكمة لدخول قلوب الناس”، فكان الانسحاب البريطانيّ المشرّف من ماليزيا.. وهذا ما لم يفعله الأميركيّون فكان انسحابهم المذلّ من فيتنام ولاوس.. وهو ما لم يفعله الفرنسيّون قبل ذلك في الجزائر، وهو ما لا يفعله الإسرائيليّون اليوم في الضفّة الغربيّة.
يمكن احتلال الأرض ولو إلى حين. ولكن لا يمكن احتلال كرامات الشعوب. وقد أثبت الشعب الفلسطينيّ منذ ثورته الأولى في عام 1936، ومن خلال صموده ومقاومته، أنّه رمز لهذه الشعوب.
محمد السماك
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.