إلغاء عقوبة الإعدام: إصلاح للسياسة العقابية / 2

3

المحامي  أسامة العرب

ومن هنا، فإن إلغاءها لا يعني التساهل مع الجرائم الخطيرة، ولا يعني إضعاف سلطة الدولة في مواجهة الجريمة. بل على العكس، يمكن أن يكون الإلغاء تعبيراً عن ثقة أكبر بالقانون، لأن الدولة التي ترفض أن تجعل خطأها المحتمل نهائياً هي دولة تعترف بحدود سلطتها وباحتمال الخطأ البشري داخل مؤسساتها.

رابعاً: من فلسفة الانتقام إلى فلسفة الإصلاح والحماية

ينبغي النظر إلى إلغاء عقوبة الإعدام بوصفه جزءاً من إعادة صياغة فلسفة العقوبة في لبنان. فالسياسة الجنائية الحديثة لا تختزل العقوبة في الانتقام من الجاني. فصحيح أن العقوبة تؤدي وظيفة زجرية، وأن حماية المجتمع من الجرائم الخطيرة تقتضي أحياناً فرض عقوبات مشددة للغاية، إلا أن العدالة الجنائية الحديثة تضيف إلى ذلك وظائف أخرى، أبرزها حماية المجتمع، وإعادة التأهيل، ومنع تكرار الجريمة، وإعادة دمج المحكوم عليه متى كان ذلك ممكناً.

وفي هذا الإطار، فإن استبدال الإعدام بعقوبة سالبة للحرية لا ينبغي أن يُفهم على أنه تقليل من خطورة الجريمة أو انتقاص من حقوق الضحايا. فالضحية وأسرتها تستحقان العدالة، لكن العدالة ليست بالضرورة مرادفاً للإعدام. بل إن السؤال القانوني الأهم هو: هل يجوز للدولة، باسم العدالة، أن تُنهي حياة شخص بصورة نهائية، في حين أن الهدف الأساسي للنظام العقابي هو حماية المجتمع؟ يمكن أن تكون الإجابة بالنفي من دون أن يعني ذلك التخفيف من مسؤولية الجاني. فالسجن المؤبد، إذا اقترن بنظام عقابي عادل وفعّال وبضمانات حقيقية تحول دون الإفلات من العقاب، قادر على حماية المجتمع من أخطر المجرمين، من دون أن يضع الدولة في موقع من ينفذ قتلاً قانونياً باسم العدالة.

خامساً: الإشكالية القانونية في «الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة»

مع أهمية إلغاء الإعدام، فإن ذلك لا يمنع من ممارسة النقد القانوني للنص المُعدّل، ولا سيما في ما يتعلق بالعقوبة البديلة.

فمن أبرز المسائل التي تستحق التوقف عندها استحداث مفهوم «الأشغال الشاقة المؤبدة المشدّدة» بعد إقرار القانون، بوصفه بديلاً لعقوبة الإعدام. وهذه الصياغة تثير إشكاليتين متلازمتين: الأولى تتصل بالمفهوم نفسه، والثانية تتعلق بمبدأ الشرعية الجنائية.

أما من حيث المفهوم، فإن استخدام تعبير «الأشغال الشاقة» يبدو متعارضاً مع التطوّر الذي شهدته النظرة الحديثة إلى تنفيذ العقوبات السالبة للحرية. فالعقوبة في النظام المعاصر لا يفترض أن تكون قائمة على الإيذاء أو الإذلال أو الإكراه البدني، وإنما ينبغي أن ترتبط، ضمن الحدود التي يفرضها الحكم القضائي، بالمسؤولية وإعادة التأهيل واحترام الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

أما من الناحية القانونية، فإن إنشاء وصف عقابي جديد يقتضي تحديد مضمونه بصورة دقيقة: ما المقصود بالتشديد؟ ما حدود العمل المفروض؟ ما طبيعة شروط تنفيذه؟ ما حقوق المحكوم عليه؟ وما الضوابط التي تحول دون أن يتحوّل هذا التشديد إلى عقوبة مبهمة تترك مساحة واسعة للتفسير الإداري أو التنفيذي؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلات تقنية. فمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقتضي أن تكون العقوبة محدّدة ومعلومة بصورة تسمح للفرد بمعرفة الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب على فعله، كما تسمح للقاضي والإدارة العقابية بالتحرك ضمن حدود واضحة. ولذلك، فإن إلغاء الإعدام ينبغي ألا يقود إلى مجرد استبدال عقوبة قصوى بعقوبة أخرى غامضة في مضمونها، بل يجب أن يكون فرصة لإعادة بناء سلم العقوبات الجنائية على أسس أكثر اتساقاً.

سادساً: مشكلة القوانين اللاحقة وتخفيض العقوبات

ثمة مسألة أخرى تستحق النقاش، وهي حصر إمكانية تخفيض العقوبة أو تعديل آثارها بأحكام قانون تنفيذ العقوبات، كما هو حاصل مع عقوبة المؤبد المشدّد. فمن الناحية العملية، قد لا يؤدي هذا الترتيب إلى النتيجة التي يُراد لها أن تكون مستقرة، لأن أي قانون عفو عام أو خاص يصدر مستقبلاً يمكن أن يحدّد، بنصه الخاص، الفئات التي يشملها وشروط الاستفادة منه.

وبالتالي، فإن إحالة المسألة إلى قانون تنفيذ العقوبات لا تكفي وحدها لتوفير ضمانة موضوعية مستقرة. فالمطلوب تشريعياً هو وضع نظام واضح يحدد طبيعة العقوبة الجديدة، ومدى إمكان تخفيضها، والسلطة المختصة بذلك، والضمانات التي تمنع تحوّل الإفراج أو تخفيض العقوبة إلى مسألة سياسية ظرفية.

والأهم هو الفصل بين أمرين غالباً ما يختلطان في النقاش العام: إلغاء عقوبة الإعدام من جهة، والعفو عن المحكوم عليهم من جهة أخرى. فالإلغاء لا يعني إسقاط المسؤولية الجنائية، ولا يعني تلقائياً الإفراج عن المحكومين، بل يعني فقط أن الدولة لم تعد تملك أن تجعل القتل عقوبة قضائية مشروعة.

سابعاً: الاعتراض على استحداث عقوبة جديدة

في هذا السياق، يكتسب الاعتراض الذي أُبديَ بشأن استبدال الإعدام بالأشغال الشاقة المشدّدة أهمية قانونية تتجاوز الموقف السياسي من العقوبة. فالتساؤل عن مدى جواز استحداث عقوبة غير معرّفة بوضوح في قانون العقوبات هو في جوهره تساؤل عن حدود المشرّع نفسه عند إعادة بناء الهرم العقابي. فالقول إننا «نخترع عقوبة جديدة» قد يبدو للوهلة الأولى اعتراضاً شكلياً، لكنه في الحقيقة يلامس مبدأً أساسياً في القانون الجنائي: لا يكفي أن يكون الهدف التشريعي مشروعاً؛ بل يجب أن تكون الوسيلة التشريعية منسجمة مع البنية القانونية القائمة.

وهنا تبرز الحاجة إلى صياغة تشريعية أكثر دقة. فإذا كان المقصود هو عقوبة مؤبدة ذات شروط تنفيذ أكثر صرامة، فينبغي أن يقال ذلك صراحة، وأن تحدّد عناصر التشديد وآثاره، بدلاً من إنشاء مصطلح جديد يمكن أن يفتح لاحقاً باباً واسعاً للاجتهاد والتأويل.

ثامناً: هل إلغاء الإعدام انتصار للمتهم أم انتصار لدولة القانون؟

من أكثر الأخطاء شيوعاً في النقاش العام تصوير إلغاء عقوبة الإعدام وكأنه انتصار للجاني على الضحية. وهذه الثنائية، في تقديرنا، لا تعبّر عن حقيقة المسألة القانونية. فالدولة التي تلغي الإعدام لا تقول إن الجريمة مقبولة، ولا تقول إن القاتل لا يستحق العقاب، ولا تسحب من القضاء صلاحية فرض العقوبات المشددة. فما تقوله ببساطة هو أن سلطة العقاب، مهما كانت واسعة، ليست سلطة مطلقة، وهذا فارق جوهري. فالعدالة الجنائية ليست عملية انتقام جماعي، وإنما مؤسسة من مؤسسات الدولة تخضع للدستور والقانون والضمانات الإجرائية. وكلّما ارتفعت خطورة العقوبة، ازدادت الحاجة إلى رفع مستوى الضمانات التي تسبقها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إلغاء الإعدام بوصفه انتصاراً لدولة القانون أكثر من كونه انتصاراً لفئة معينة من المحكوم عليهم؛ فهو يضع حداً لأكثر العقوبات نهائية، ويجبر النظام القضائي في المقابل على تطوير بدائل فعالة وقادرة على حماية المجتمع.

تاسعاً: الإصلاح الحقيقي لا يتوقف عند إلغاء العقوبة

ومع ذلك، فإن إلغاء عقوبة الإعدام لن يكون كافياً وحده لإصلاح العدالة الجنائية اللبنانية؛ فالاختبار الحقيقي لأي إصلاح عقابي يكمن في البيئة التي سيطبّق فيها؛ فلا معنى لإلغاء الإعدام إذا بقيت التحقيقات عرضة للانتهاكات، أو ظلت الاعترافات المنتزعة تحت الضغط قادرة على التأثير في الأحكام، أو بقيت المحاكم تعاني من التأخير، أو بقيت أوضاع السجون دون المعايير المطلوبة، أو ظلّت المساعدة القانونية غير متاحة بصورة فعالة لمن لا يملك القدرة على تحمل تكاليف الدفاع.

لذلك، ينبغي أن يترافق إلغاء الإعدام مع مجموعة أوسع من الإصلاحات، من بينها تعزيز استقلال القضاء، وتحسين ضمانات الدفاع، وتشديد الرقابة على إجراءات التحقيق، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وتطوير الطب الشرعي والأدلة الجنائية، وتحسين ظروف السجون، ووضع سياسات جدية لإعادة التأهيل. فإذا كان المجتمع يرفض أن تقتل الدولة المحكوم عليه، فعليه في المقابل أن يطالب الدولة بأن تكون قادرة على حماية المجتمع منه بطريقة قانونية وإنسانية وفعالة.

في الختام، إن النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان لا ينبغي أن يُختزل في سؤال عاطفي من قبيل: «هل يستحق القاتل الموت؟». فهذا السؤال، على أهميته الأخلاقية، لا يكفي لبناء سياسة جنائية؛ فالسؤال الأكثر عمقاً هو: هل ينبغي للدولة الحديثة أن تمتلك سلطة إنهاء حياة الإنسان كعقوبة، في نظام قضائي يمكن أن يخطئ، وفي مجتمع تتعرض فيه المؤسسات أحياناً لضغوط سياسية وأمنية واجتماعية؟

من هذه الزاوية، يبدو الانتقال من التجميد غير الرسمي إلى الإلغاء التشريعي خطوة طبيعية في تطوّر النظام القانوني اللبناني؛ فلبنان لم يبدأ اليوم من نقطة الصفر؛ لقد امتنع عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2004، وصوّت في الأمم المتحدة لصالح قرارات تدعو إلى وقف تنفيذ العقوبة، كما أن مؤسسات أممية أوصت صراحة بالانتقال من الوقف الفعلي إلى الإلغاء القانوني. لكن قيمة هذه الخطوة ستتوقف في نهاية المطاف على التنفيذ، لا على عنوانه وحده. فإلغاء عقوبة الإعدام ينبغي ألا يكون مجرد حذف مادة وإضافة مادة بديلة، ولا مجرد استبدال كلمة «الإعدام» بعبارة «الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة»، لأن الإصلاح الحقيقي يقتضي إعادة النظر في فلسفة العقوبة ذاتها، وفي تعريف العقوبات، وفي ضمانات المحاكمة، وفي شروط تنفيذ الأحكام، وفي حدود السلطة الممنوحة للإدارة العقابية.

ولعلّ المسألة الأهم أن هذا التحوّل يضع الدولة أمام مسؤولية مضاعفة: فإذا كانت قد قررت ألا تنهي حياة المحكوم عليه، فعليها أن تثبت أن باستطاعتها حماية المجتمع من دون أن تتخلى عن كرامة الإنسان. وهذه ليست معادلة سهلة، لكنها تمثل جوهر العدالة الجنائية الحديثة. وعليه، فإن إلغاء عقوبة الإعدام، بعدما اكتمل مساره التشريعي بصياغة دقيقة ومتوازنة، يشكل لحظة فارقة في تاريخ السياسة الجنائية اللبنانية؛ لا لأنه يخفف العقاب، بل لأنه يعيد تعريف غايته. فالدولة القوية ليست تلك التي تملك أشد العقوبات، وإنما تلك التي تستطيع أن تحقق العدالة وتحمي المجتمع، حتى عندما تواجه أبشع الجرائم، من دون أن تجعل الخطأ القضائي نهائياً، ومن دون أن تتخلى عن المبدأ الذي يفترض أن القانون وجد أساساً لحمايته: كرامة الإنسان وحقه في الحياة.

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.