ضريبة بيئية جديدة في لبنان.. ولكن أين البيئة؟
بقلم د. طالب سعد
(باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي)
منذ فترة، وأنا أشعر بشيء من الملل، وربما الإحباط، تجاه الأوضاع العامة في لبنان. وقد أثرت الابتعاد عن التعليق أو المشاركة في كثير من القضايا المالية والاقتصادية والاجتماعية، ليس لعدم أهميتها، بل لكثرة ما قيل ويقال فيها.
كلام كثير، آراء أكثر، تحليلات لا تنتهي، صراخ في كل مكان، ونقاشات غالباً ما تنتهي حيث بدأت.. فيما الفعالية محدودة والنتائج تكاد تكون معدومة.
وفي مرحلة ما، يصبح الصمت أكثر راحة من إضافة رأي جديد إلى سوق مزدحم بالآراء.
لكن هذه المرة، استوقفني الأمر:
ضريبة جديدة … وباسم جديد أيضاً: “ضريبة بيئية على المنتجات المستوردة”.
ليست المشكلة بالنسبة لي في كلمة “بيئية”، ولا في مبدأ حماية البيئة، بل على العكس، لبنان من أكثر البلدان حاجة إلى سياسة بيئية جدية وحازمة.
ما أثار استغرابي هو التوقيت والطريقة والمفارقة.
ماذا حصل ؟
في 15 حزيران 2026 صدر المرسوم رقم 3214، معدّلاً الرسوم على المواد والمنتجات المنتجة للنفايات بنسب وصلت بحسب السلع إلى ما بين 1 و 3% وقد بدأ تطبيقه فعلياً، قبل أن يثير اعتراضات اقتصادية ومعيشية واسعة.
وفي 29 حزيران 2026، أي بعد أسبوعين فقط، عقد مجلس الوزراء جلسة استثنائية وقرر تعليق العمل بالمرسوم إلى حين إعادة درس جدول النسب، مع تأكيد الحكومة أن الهدف منه هو تمويل معالجة النفايات وتطبيق مبدأ “الملوّث يدفع”.
وهنا تبدأ الأسئلة.
فالضريبة أو الرسم، مهما كان الاسم جميلاً والهدف المعلن نبيلاً، يبقى كلفة إضافية على الاقتصاد. وإذا فرض على سلعة مستوردة أو مادة أولية تدخل في الإنتاج، فإن كلفته لن تتوقف عند المستورد، بل ستنتقل إلى المصنع والتاجر، وفي نهاية المطاف إلى المستهلك.
لذلك، لا يجوز النظر إلى %1% أو 2 أو 3% وكأنها مجرد أرقام صغيرة. ففي الاقتصاد، الضرائب تتراكم والكلفة تتزايد وتنتقل، والأسعار تتأثر، والقدرتان التنافسية والشرائية تتراجعان، خصوصاً عندما يكون الاقتصاد مثقلاً أصلاً بكلفة الطاقة والنقل والتمويل والتأمين والرسوم والضرائب المختلفة.
ومن هنا شعرت أن الصمت هذه المرة لم يعد مناسباً لأن إضافة عباء مالي جديد تحت عنوان جذاب مثل “حماية البيئة”، من دون نقاش كاف حول من سيدفع، وأين ستذهب الأموال، وما النتيجة البيئية التي سنحصل عليها في المقابل، قد تبدو أقرب إلى التذاكي المالي منها إلى السياسة البيئية.
وبتعبير أوضح: لا يجوز أن ندس الجباية في عسل البيئة.
من هو الملوّث … ومن يدفع ؟
قد تبدو الفكرة الأساسية للرسوم البيئية تقوم على مبدأ : “الملوث يدفع“ وان كنت سأتفق مبدئياً مع هذا المبدأ، ليس من مفهوم ضريبي ابدا، بل من مفهوم المشاركة في المسؤولية . فمن يلوث الهواء أو المياه أو التربة، ويتسبب بكلفة بيئية يتحملها المجتمع من الطبيعي أن يتحمل جزءاً من هذه الكلفة.
لكن السؤال في لبنان
هل الذي سيدفع هو فعلا الملوث؟
نحن نعيش منذ سنوات بين مولدات كهربائية وسط الأحياء السكنية، وأزمة نفايات بلا حل مستدام، وتلوث للهواء والمياه والتربة والأنهار والشاطئ، وضعف في الصرف الصحي والبنية التحتية البيئية.
وفي ظل كل ذلك، تصبح إحدى أدوات حماية البيئة، رسماً جديداً على المنتجات المستوردة
فأين ستذهب الأموال؟
الحكومة تقول إن الهدف هو تمويل إدارة ومعالجة النفايات جيد. إذاً، من حق المواطن والقطاعات الإنتاجية أن يعرفوا بصورة شفافة: كم جبي؟ وأين أنفق؟ وما النتائج؟ هل ستتحسن معالجة النفايات؟ هل ستراقب الانبعاثات والمولدات؟ هل ستدعم إعادة التدوير والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الصناعية الأقل تلويثاً؟
بل أسأل أبعد من ذلك : هل سيخصص شيء لمعالجة المواطنين الذين يدفعون من صحتهم ثمن التلوث المزمن؟
لأن الضريبة البيئية يجب أن تُقاس بنتيجتها البيئية، لا بحصيلتها المالية، مهما كانت نسبتها او قيمتها على الورق، لأنها ليست كذلك في الاقتصاد الحقيقي.
المصنع اللبناني يدفع المواد الأولية والطاقة والنقل والتأمين والتمويل والصيانة والعمالة والرسوم والضرائب ثم يحاول منافسة منتج يأتي من اقتصاد يتمتع بطاقة وتمويل أرخص وحجم إنتاج أكبر.
إضافة %1% هنا و 2% هناك و 3% في مكان آخر باتت مرهقة والمتابع لكلفة الشحن والتخليص يدرك حجم ما تراكم من رسوم وضرائب وتأمينات ومسميات مختلفة حيث باتت أكبر من فاتورة الشحن نفسها. والاقتصاد لن يحتفظ بهذه الأعباء لنفسه، بل سينقلها في النهاية إلى كل بيت، مهما دغدغ ارتفاع الإيرادات أرقام الخزينة العامة.
لكن ماذا عن الإنفاق؟
ففي موازنة 2026 ، ارتفعت الاعتمادات المرصودة لـ “السلطات العامة وملحقاتها من نحو 117 مليار ليرة إلى 788 مليار ليرة، أي بزيادة تقارب 570%.
وهذه الاعتمادات لا تقتصر على النواب، بل تشمل السلطات العامة ومخصصات ونفقات مختلفة. لكن الرقم يبقى كبيراً ويستحق السؤال عن أولويات الإنفاق العام.
وفي 6 آب 2026 ، نشرت الدولية للمعلومات” أن مخصصات النائب البالغة نحو 3000 دولار شهرياً يتوقع أن تصل إلى نحو 5000 دولار ابتداء من أيلول 2026 ، نتيجة نقل اعتماد من احتياط الموازنة إلى صندوق تعاضد مجلس النواب.
وهنا تكمن المفارقة
نبحث عن إيرادات إضافية من الاقتصاد، فيما نرفع الإنفاق على مؤسسات السلطة.
فهل مشكلتنا فعلاً في نقص الضرائب؟
كلما احتاجت الدولة إلى تمويل، يبدو أن الطريق الأسهل هو رسم جديد، أو ضريبة جديدة، أو زيادة تعرفة.
واليوم… “بيئية” .. لكن السؤال الحقيقي هو :
إلى متى يكون الحل بزيادة الجباية بدلاً من زيادة حجم الاقتصاد؟
الدولة لا تصبح أقوى عندما تحصل على نسبة أكبر من اقتصاد يضعف، بل عندما يكبر الاقتصاد نفسه : عندما يزيد الإنتاج، وتتوسع المصانع والصادرات، وتأتي الاستثمارات، وتُخلق فرص العمل، وترتفع القدرة الشرائية الحقيقية للمواطن.
هناك فرق كبير بين تمويل الدولة من اقتصاد ينمو وبين تمويلها من العجز والضرائب وطباعة العملة والاستدانة خاصة عبر اقتطاع المزيد من اقتصاد يعاني ركوداً وتضخماً وهشاشة.
أنا مع حماية البيئة، ومع محاسبة الملوّث، ومع معايير صارمة على كل من يتسبب بضرر بيئي. لكن السياسة البيئية تبدأ من تحديد مصادر التلوث ومعالجتها : الكهرباء، النفايات المياه الصرف الصحي، الانبعاثات، إعادة التدوير والمصانع الملوثة، بالتوازي مع تحفيز التكنولوجيا النظيفة.
لذلك، السؤال الذي يجب أن يبقى ليس:
كم ستجبي الدولة من الرسم البيئي؟ بل كم ستتحسن البيئة بسببه؟
لأن نجاح أي سياسة بيئية لا يُقاس بما تجمعه الخزينة، بل بما تخفضه من التلوث. وإذا دفع الاقتصاد أكثر، ودفع المستهلك أكثر، وبقي الهواء كما هو، والنفايات كما هي، والمولدات كما هي، والمياه كما هي….
فيصبح كمن يفسر الماء بالماء ومن الواجب عدم السكوت والتضليل …
فالضريبة البيئية التي لا تؤدي إلى بيئة أفضل، قد لا يبقى منها في النهاية سوى شيء واحد: “الضريبة”.
د. طالب سعد
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.