الانتشار اللبناني .. وطن لا يغيب

3

بقلم اللواء حسن شقير

المدير العام للامن العام

يشكّل الانتشار اللبناني رصيداً وطنياً أساسياً، بما راكمه أبناؤه على مدى عقود وقرون من نجاحات وإسهامات في مختلف دول العالم. فقد أسهموا في ترسيخ حضور لبنان الثقافي والعلمي والاقتصادي، وحافظوا على روابطهم بوطنهم، وساندوه في أزماته. من هنا، فإن تعزيز صلتهم بالدولة ليس واجباً معنوياً فحسب، بل مسؤولية تستدعي سياسات عملية تستفيد من قدراتهم وتحفظ حقوقهم وتسهّل شؤونهم.

تبدأ هذه المسؤولية من حضور مؤسسات الدولة في بلدان الانتشار، وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية بكفاءة ومن دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. فالسفارات والقنصليات هي صلة الوصل المباشرة بين اللبنانيين والإدارات العامة، وتطوير أدائها يختصر الوقت وكلفة التنقل وتعقيدات المعاملات، ويعزّز ثقة المنتشرين بمؤسسات وطنهم. لا يكفي أن تدعو الدولة أبناءها إلى التمسك بلبنان، بل عليها أن تترجم ذلك إلى خدمات ملموسة تستجيب حاجاتهم اليومية.

في هذا السياق، بادر الأمن العام إلى إتاحة الحصول على جوازات السفر البيو مترية عبر السفارات والقنصليات اللبنانية، لمعالجة الصعوبات التي كانت تفرض على كثير من المنتشرين مشقة السفر والتنقل لإنجاز معاملاتهم. وقد أتاح هذا الإجراء تقريب الخدمة من المواطنين، وكرّس توجهاً إدارياً يقوم على تسهيل المعاملات مع الحفاظ على متطلبات التدقيق والتحقق من الهوية.

يأتي إطلاق خدمة إصدار جوازات السفر البيو مترية . فالخطوة تتيح للبنانيين المقيمين في هذا البلد إنجاز معاملاتهم بصورة أسهل، وتدعم تحديث آليات العمل من خلال التقنيات الرقمية، بما يرفع دقة الإجراءات ويعزز أمن الوثائق الرسمية ويحد من التزوير وانتحال الشخصية.

ولا تقتصر هذه المبادرة على الولايات المتحدة، إذ يتجه العمل إلى توسيع نطاقها ليشمل دولاً أخرى تستضيف تجمعات رئيسية للانتشار اللبناني، بالتنسيق مع الجهات المعنية وبما يتناسب مع المتطلبات التقنية والإدارية لكل بلد. الهدف هو توفير خدمة أكثر سهولة وفاعلية، من دون المساس بالمعايير التي تفرضها حماية الهوية وأمن الوثائق.

تتجاوز أهمية هذه الخطوة بُعدها الإداري، إذ إن تسهيل المعاملات الرسمية يخفف الأعباء عن العائلات اللبنانية في الخارج، ويعزز قدرتها على إبقاء صلاتها بلبنان. وتبرز هذه الحاجة بصورة خاصة في الولايات المتحدة، حيث إن القرار الرسمي الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع القيود عن الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، ينعكس إيجاباً على الزيارات العائلية والتبادل الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد أهمية تيسير الإجراءات المرتبطة بالسفر والوثائق.

لكن تطوير الخدمات القنصلية ينبغي ألا يتوقف عند جواز السفر، بل يجب أن يشكّل مدخلاً لمعالجة أوسع للمشكلات التي يواجهها المنتشرون في تعاملهم مع الإدارات اللبنانية. ويتطلب ذلك تنسيقاً مستمراً بين الأمن العام ووزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، وتقييماً دورياً لحاجات المواطنين، بما يسمح بتوسيع الخدمات وتحسينها وفق أولويات واضحة.

إن ربط الانتشار بالوطن الأم يتعزز حين يجد اللبناني في الخارج مؤسسات قادرة على خدمته وحماية حقوقه. ومن هذا المنطلق، يواصل الأمن العام تحديث إجراءاته وتوسيع نطاق خدماته، بما يجمع بين سهولة المعاملة ودقتها وأمانها، ويجعل خدمة المواطن أساساً في تطوير الإدارة العامة.

فاللبناني، أينما استقرّ، يحمل وطنه في ذاكرته وهويته، ويظل لبنان حاضراً في وجدانه مهما ابتعدت المسافات. ومن واجب الدولة أن تصون هذا الارتباط، وأن تجعل حضورها إلى جانب أبنائها في الخارج ترجمة فعلية للانتماء، لأن الوطن لا يغيب ما دامت صلته بأبنائه حيّة، وما داموا يجدون فيه بيتهم الأول والأخير.

اللواء حسن شقير

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.