حديث الجمعة_”هذه قسمة الله .. ارضَ بها”
المهندس بسام برغوت
يقول رسول الله ﷺ: «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس» كلمات قليلة المباني، عظيمة المعاني، ترسم منهجاً متكاملاً للحياة، وتُعلم الإنسان أن الغنى الحقيقي لا يكمن في جيوب الثياب، بل في يقين القلوب.
إن من أعظم المنن التي يفيض بها الله على عبده نعمة القناعة والرضا بـالمقسوم. فليست السعادة في ضخامة الرصيد، ولا في امتلاك كل ما تشتهيه الغرائز، ولا في مضاهاة ممتلكات الآخرين؛ وإنما السعادة الحقيقية واحة تسكن في قلب مطمئن، ونفس راضية، وروح توقن بأنّ تدبير الله لها هو محض الخير، وإن حُجبت عنها الحكمة في الوقت الحاضر.
كما ان المرء الذي يرتدي رداء الرضا يعيش ملكاً في ملكوت نفسه، لا تملي عليه المقارنات شروطها، ولا تستنزف الغيرة نبضات قلبه، ولا يكسره ما يرى في أيدي الناس.
ان القناعة ليست استسلاماً لواقع مرير، ولا مبرراً للكسر والتخلي عن الطموح، بل هي مزيج واعي بين غاية السعي وعمق الرضا. أن يجتهد الإنسان ويبذل قصارى جهده، وفي الوقت ذاته يتقبل العطاء بنفس راضية، فلا يعلق سعادته بنتيجة لم يدركها، ولا يسمح لسراب الطمع أن يسرق منه واحة أمانه اليوم.
ثمّة فرق شاسع بين إنسان يسعى نحو المعالي بقلب ساكن، وآخر يركض خلف حطام الدنيا لاهثاً، لا تروي ظمأه الأنهار، ولا يملأ عينه التراب. كم من ثري يتقلب على جمر القلق خوفاً من الفقد، وكم من بسيط ينام ملء جفونه، يستقبل الصباح بابتسامة الثقة ويحمد الله على قوت يومه! الأول امتلك المال وافتقر إلى نفسه، والثاني امتلك راحة البال وهي كنز لا يُباع ولا يُشترى.
يتجلى عمق الإيمان في قدرة المرء على تقبل تقدير الله، سواء جاء على وفق هواه أو على عكس أمنياته. فكم من أمر ألحّ عليه العبد بجهده ودعائه، فلما صُرف عنه ظنّ أن الخير قد فاته، وما علم أن الله قد نجّاه من هلاك لم يره، أو أخّر له العطاء ليتنزل عليه في الوقت الأنسب.
يقول جل وعلا: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة].
تأتي هذه الآية كبلسم يداوي الجراح، لتذكرنا بأن بصرنا قاصر وعلم الله محيط. قد نحزن لباب أُغلق في وجوهنا، والرحمة تقبع خلف قفله، وقد نبكي على أمنية تلاشت، والله يدّخر لنا ما هو أبهى وأجمل. لذا, لا تجعل المنع سبباً للشكوى، بل أحسن الظن بربك، وثق بأن تدبيره لك أرحم من تدبيرك لنفسك.
والحقيقة الغائبة أن لكل إنسان كتاب رزق وابتلاء خاص به. ما يظهر لك من حياة الآخرين ليس إلا الغلاف الخارجي؛ ترى النعمة وتغيب عنك تبعاتها، تلتمس الابتسامة وتجهل غصاتها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [سورة النساء].
لقد قسم الله الأرزاق بحكمة بالغة، فلا تملأ قلبك بالحسد، بل ادعُ بالبركة لغيرك، واسأل الله من فضله الواسع، فالأرزاق شتى والأبواب مشرعة.
وتبدأ رحلة الرضا بشكر الله على النعم الصغيرة قبل الكبيرة. العافية، دفء العائلة، الأمان، الستر، والقدرة على الحركة؛ بل إن مرور الأيام العادية بسلام دون مصائب هو بحد ذاته نعمة تستحق عظيم الحمد.
يقول سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم].
والشكر الحقيقي ليس لفظاً باللسان فحسب، بل هو سلوك وعمل؛ بـالإحسان إلى الخلق، ومد يد العون للمحتاج، والبعد عن كبرياء الجحود. فالشاكر يرى النعمة فيُعظّمها، والجاحد يمتلك الكون ولا يرى إلا ما ينقصه.
ليس الغني من تكدست في خزائنه الأموال والمقتنيات، وإنما الغني من ترفّعت نفسه وصينت كرامته عن التطلع إلى ما في أيدي الخلق. فغنى النفس يكسو العبد ثوب العزة، فلا يبيع مبادئه لعَرَضٍ زائغ، ولا يذل رقبته طلباً لمعروف، ولا يترك الطمع ليفسد أخلاقه وعلاقاته.
وفي هذا المفهوم الراقي يقول النبي ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» وهذا المبدأ يضعنا أمام حقيقة راسخة: قد تتبدد الثروات، وتتبدل الأحوال، ويفقد الإنسان ظواهر النعيم، لكن النفس القانعة تظل منبعاً لا ينضب لإيجاد السعادة في أبسط تفاصيل الحياة.
ختاماً، تذكّر أن الحياة أقصر من أن نقضيها في الحزن على ما لم نحصل عليه، وأنعم من أن نضيّعها في مقارنة أنفسنا بالآخرين. ارضَ بما قسمه الله لك، واشكره على ما أعطاك، واصبر على ما ابتلاك به، وأحسن الظن به في كل أحوالك. لا تنظر دائماً إلى ما ينقصك، بل تأمل ما تملكه من نعم قد يتمناها غيرك.
اجعل قلبك غنياً بالله، ولسانك عامراً بالحمد، ونفسك مطمئنة بقضائه، ولا تنسَ أن الأرزاق ليست أموالاً فقط، بل قد يكون الرزق صحة، أو راحة بال، أو عائلة تحبك، أو صديقاً صادقاً، أو دعوة مستجابة، أو باباً من أبواب الخير لم تكن تتوقعه.
فالسعيد ليس من حصل على كل ما تمنّاه، بل من عرف كيف يرضى بما أعطاه الله، وكيف يحمده على ما لديه، وكيف ينتظر فضله دون يأس أو قنوط.
ارضَ بما قسمه الله لك، تكن أغنى الناس؛ فالغنى الحقيقي أن تكون غنياً بقلبك، مطمئناً بروحك، راضياً بربك، وهذا هو الكنز الذي لا يفنى.
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.