الكويت… “أموال الخير” بعيداً عن “الإخوان”

5

نايف سالم – الكويت

«أساس ميديا»

بقانون جديد، غير مسبوق، تُعيد الكويت رسم حدود العمل الخيريّ، وتضع قطاعاً واسعاً من حركة الأموال والمشاريع والتحويلات تحت رقابة أكثر صرامة للدولة. وفي قطاع ارتبط بعض جمعيّاته تاريخيّاً بتيّارات إسلاميّة، وفي مقدّمها “الإخوان”، يحمل التحوّل رسالة واضحة: سيبقى “الخير” جزءاً من هويّة الكويت… لكن تحت سقف الدولة.

التشريع الذي صدر قبل أيّام، بعنوان “قانون تنظيم العمل الخيريّ والإنسانيّ”، لا يأتي من فراغ. يمثّل في شموليّته المحطّة الأهمّ في مسار بدأ قبل ذلك بوقت طويل، مع تشديد القيود على جمع الأموال وإخضاع التبرّعات للقنوات المصرفيّة، ثمّ وقف جمع التبرّعات في نيسان 2025 بعد رصد روابط إلكترونيّة غير مرخّصة، وصولاً إلى إعادة السماح بها وفق ضوابط أكثر صرامة.

ملاحقة أثر المال

ليست حساسيّة حركة الأموال جديدة. فقد اختبَرَت الكويت أثر تشديد الرقابة قبل سنوات، عندما مُنع جمع التبرّعات نقداً وأُلزمت الجمعيّات بالقنوات المصرفيّة. يومها، تراجعت حصيلة حزمة من الجمعيّات من نحو 120 مليون دينار في عام كان جمع “الكاش” فيه مسموحاً، إلى نحو 50 مليوناً في العام التالي، بفارق يقارب 70 مليوناً، ما فتح باباً واسعاً للتساؤل عن حجم الأموال التي كانت تُجمع نقداً، ومساراتها ومدى القدرة على تتبّعها.

القانون الجديد يذهب أبعد من ذلك بكثير. فلا نشاط باسم جمعيّة خيريّة قبل الترخيص والقَيْد، ولا حملة تبرّعات من دون ترخيص، فيما تحتاج الحملات المُخصّصة للعمل خارج الكويت إلى موافقة وزارة الخارجيّة. أمّا الأموال المُحصّلة، فيجب إيداعها في حساب مصرفيّ مُخصّص لدى بنك خاضع لرقابة بنك الكويت المركزيّ، بينما أصبح جمع النقد استثناء يحتاج إلى تصريح يُحدّد وسيلته وسقفه وكيفيّة إثبات هويّة المتبرّع.

هذه النقطة تحديداً تحمل بُعداً سياسيّاً يتجاوز الإدارة. فقد أثارت بعض مسارات التمويل الخيريّ من جمعيّات كويتيّة في مراحل سابقة، تساؤلات وشبهات بشأن وصول أموال إلى جهات مرتبطة بتيّارات إسلاميّة ومتشدّدة، لها علاقات بجماعة “الإخوان” وغيرها، بما وضع الكويت أحياناً أمام ملاحظات وضغوط خارجيّة مرتبطة بمكافحة تمويل الإرهاب.

مع القانون الجديد، يصبح المشروع الخارجيّ جزءاً من مسار رسميّ يبدأ بالترخيص ويمرّ بموافقة وزارة الخارجيّة، فيما تُلزَم الجمعيّات بالتحقّق من المُتبرّعين والمستفيدين والشركاء المنفّذين وفق درجة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

بند “العاملين عليها“

أحد أكثر التحوّلات حساسيّة سيحدث داخل الجمعيّات نفسها. فلطالما استقطع بعضها ما بين 12.5 و25 في المئة من أموال التبرّعات تحت بند المصاريف الإداريّة و”العاملين عليها” لتمويل الرواتب والإيجارات وتشغيل المشاريع. وعندما طُرح تقليص النسبة في 2021، حذّرت جمعيّات من أنّ ذلك قد يهدّد استمرارها ما لم توفّر الدولة بديلاً لتمويل نفقاتها التشغيليّة.

القانون لا يلغي المصاريف الإداريّة، لكنّه يسحبها من المنطقة الرماديّة. فالمادّة 59 تنصّ على أنّ المصاريف الإداريّة والتشغيليّة اللازمة لتنفيذ أغراض الجمعيّة تُحتسب وفق ما ستحدّده اللائحة التنفيذيّة، فيما تحظر المادّة 58 المضاربات الماليّة وتوزيع الإيرادات والعوائد على أعضاء مجالس الإدارات والمؤسّسين والعاملين.

حتّى إدارة الجمعيّات أصبحت مُحاطة بقيود تمنع تضارب المصالح: لا يجوز الجمع بين عضويّة أكثر من مجلس إدارة لجمعيّة خيريّة، ولا الجمع بين عضويّة المجلس ووظيفة مدفوعة في أيّ جمعيّة خاضعة للقانون، كما يُحظر على عضو مجلس الإدارة التعاقد مع جمعيّته بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلّا إذا كان التعامل من دون مقابل أو تبرّعاً. وهذا من شأنه قطع الطريق على الكثير من جمعيّات “الإخوان” التي كانت تعمل بعناوين شتّى وأسماء مختلفة.

الدّولة داخل المسار

لم تصل الكويت إلى القانون الجديد، سريعاً، أو على عجل. فقد تحرّكت خليجيّاً منذ العام الماضي للاطّلاع على نماذج السعوديّة والإمارات وقطر في الحوكمة والتحويّلات الماليّة وتنظيم القطاع غير الربحيّ. (راجع مقال “أساس” بعنوان “الكويت تحاصر الإخوان عبر ضبط أموال التّبرّعات”  المنشور بتاريخ 7/7/2025).

يكمن الفارق الجوهريّ في أنّ ما صدر عام 2025 كان مجرّد إجراءات إداريّة متفرّقة. أمّا قانون 2026 فهو تشريع متكامل يُنشئ جهة رقابيّة دائمة ويضع منظومة كاملة للترخيص والمساءلة وعقوبات جزائيّة رادعة، محوّلاً بذلك الرقابة من إجراءات مؤقّتة إلى بنية قانونيّة دائمة تُعيد تعريف عمل الجمعيّات الخيريّة في الكويت.

من هنا جاء إنشاء “المركز الوطنيّ للعمل الخيريّ والإنسانيّ”، بموجب القانون الجديد. فهو ليس مجرّد جهة جديدة لإصدار التراخيص، بل المؤسّسة التي ستضع الاستراتيجية الوطنيّة وتراقب الجمعيّات والمبرّات والحملات والمشاريع، وتُقوِّم دوريّاً مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتضع دليل الحوكمة ومُدوّنة أخلاقيّات القطاع، فضلاً عن امتلاك بعض موظّفيه صفة الضبطيّة القضائيّة.

الجمعيّات لم تكن تاريخيّاً مجرّد مؤسّسات لجمع المال وتوزيعه. بعضها ارتبط ببيئات اجتماعيّة وسياسيّة ودينيّة، واستفاد في مراحل سابقة من وجود حلفاء وكتل نيابيّة ترفع شعار “الدفاع عن العمل الخيريّ” تحت عنوان حماية “إرث كويتيّ راسخ”.

لكنّ المعادلة السياسيّة والمؤسّسيّة التي كان يعمل ضمنها القطاع تغيَّرَت. والقانون الجديد يذهب أبعد من تنظيم المال، إذ يحظر على الجمعيّات ممارسة النشاط السياسيّ أو التدخّل في الأمور السياسيّة وإثارة العصبيّة الطائفيّة أو العنصريّة والتعامل مع كيانات غير مشروعة.

في الخلفيّة، يحمل ذلك أثراً مباشراً على الجمعيّات التي ارتبطت بتيّارات “إخوانيّة”. المشكلة بالنسبة إلى الدولة لم تعد في هويّة القائمين على الجمعيّة بقدر ما أصبحت في قدرة أيّ جمعيّة على بناء مسار ماليّ أو خارجيّ أو سياسيّ خارج المنظومة الرسميّة.

تعكس العقوبات أيضاً حجم التحوّل. فالاستيلاء على أموال حملات التبرّعات قد يقود إلى الحبس 7 سنوات، وترتفع العقوبة إلى 10 سنوات في الحالات المُشدّدة التي حدّدها القانون، إلى جانب الغرامات وردّ الأموال. أمّا تنظيم حملة أو الترويج لها أو الدعوة إليها من دون ترخيص فعقوبته قد تصل إلى الحبس سنتين.

الجمعيّات الخيرية ستستمرّ في العمل، لكنّ المسافة بين المُتبرّع والمُستفيد لم تعد مساحة خاصّة بالجمعيّة وحدها. الدولة أصبحت موجودة في الطريق كلّه.

نايف سالم – الكويت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.