انتخابات التجديد النصفي: معركة على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية/ 1

6

المحامي  أسامة العرب

لا تقتصر أهمية انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية على كونها استحقاقاً دستورياً دورياً لتجديد جزء من المؤسسات التشريعية، بل تتجاوز ذلك لتشكّل اختباراً سياسياً لمدى احتفاظ الرئيس بتأييد الناخبين، ومقياساً لقدرة حزبه على مواصلة تنفيذ برنامجه، ومناسبةً يعيد فيها المجتمع الأميركي التعبير عن مواقفه من أداء الإدارة الحاكمة واتجاهاتها الاقتصادية والاجتماعية والخارجية. ففي النظام السياسي الأميركي، لا يُمنح الرئيس تفويضاً مفتوحاً طوال السنوات الأربع لولايته، بل يبقى خاضعاً، في منتصف الطريق، لمحاسبة انتخابية قد تعيد توزيع مراكز القوة في واشنطن، وتفرض على البيت الأبيض التعامل مع كونغرس لا تتطابق بالضرورة توجهاته مع توجهات الرئيس.

ومن هنا، تكتسب انتخابات الثالث من تشرين الثاني 2026 أهمية استثنائية، لأنها تأتي في منتصف الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، وفي ظل تجاذبات داخلية حادة، وضغوط اقتصادية متزايدة، وتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فضلاً عن تباينات عميقة حول الهجرة والرعاية الصحية والإنفاق العسكري وموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي. وهي، بهذا المعنى، ليست مجرد منافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين على مقاعد نيابية، وإنما مواجهة على طبيعة المرحلة السياسية التي ستدخلها الولايات المتحدة خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.

 أولاً: طبيعة الانتخابات وموازين القوى

يتوجه الأميركيون في الثالث من تشرين الثاني إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلسَي الكونغرس، حيث تُجدّد جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، فيما تُجرى الانتخابات على 35 مقعداً من أصل مئة في مجلس الشيوخ، من بينها مقاعد في انتخابات دورية وأخرى لشغل مقاعد شاغرة. وتشمل العملية الانتخابية أيضاً انتخابات حكام الولايات في 36 ولاية، فضلاً عن تجديد عدد كبير من المجالس التشريعية المحلية.

وتنبع أهمية هذه الانتخابات من طبيعة النظام الدستوري الأميركي القائم على الفصل بين السلطات وتوزيع الاختصاصات والرقابة المتبادلة بينها. فالكونغرس ليس مجرد مؤسسة تشريعية تصادق على مشاريع الإدارة، بل هو سلطة مستقلة تملك صلاحيات واسعة في التشريع وإقرار الموازنة والرقابة على السلطة التنفيذية، فضلاً عن دوره في رسم السياسات العامة، ولا سيما في المسائل المرتبطة بالإنفاق الفدرالي والالتزامات العسكرية والعلاقات الخارجية.

ويتمتع الجمهوريون حالياً بالأغلبية في المجلسين، ما أتاح لإدارة ترامب هامشاً سياسياً وتشريعياً أوسع لتنفيذ برنامجها. أما انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين في أحد المجلسين أو كليهما، فسوف يغيّر قواعد التعامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويجعل الإدارة أمام واقع سياسي أكثر تعقيداً، قد يحدّ من قدرتها على تمرير التشريعات والموازنات، ويعزّز في المقابل أدوات المساءلة والتحقيق والرقابة البرلمانية.

 ثانياً: الاقتصاد وتكاليف المعيشة… الامتحان الأكثر مباشرة للناخب الأميركي

غالباً ما تُحسم الانتخابات الأميركية على وقع القضايا التي يشعر المواطن بتأثيرها في حياته اليومية، وفي مقدمتها الاقتصاد. فالناخب قد يتفق مع الإدارة في خياراتها الخارجية أو مواقفها السياسية، لكنه يلمس بصورة مباشرة ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسكن والخدمات، وتراجع قدرته الشرائية، وما يرافق ذلك من شعور بعدم الاستقرار المالي. وتواجه إدارة ترامب تحدياً في هذا المجال، بعدما تحوّلت الرسوم الجمركية والسياسات التجارية التي اعتمدتها إلى موضوع جدل بشأن انعكاساتها على الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد. وزادت الحرب على إيران من تعقيد المشهد الاقتصادي، خصوصاً مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وما ترتب عليه من ارتفاع أسعار النفط والوقود وانعكاس ذلك على تكاليف النقل والإنتاج.

ولا ينبغي النظر إلى ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره مسألة قطاعية منفصلة؛ فالوقود يدخل في كلفة معظم الأنشطة الاقتصادية، من الزراعة والصناعة إلى النقل والتوزيع. وعندما ترتفع أسعار الديزل، لا يقتصر الأثر على سائقي الشاحنات وشركات النقل، بل ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك. وهكذا تصبح الحرب الخارجية حاضرة في تفاصيل الحياة الداخلية، ويغدو المواطن معنياً بتكاليفها حتى لو لم يكن معنياً مباشرة بأهدافها العسكرية أو الاستراتيجية.

ومن هذه الزاوية، لا يواجه الجمهوريون مجرد نقاش حول المؤشرات الاقتصادية، بل اختباراً لمدى قدرة الإدارة على إقناع الناخبين بأن سياساتها تحقق النتائج التي وعدت بها. فالوعود بتحسين مستوى المعيشة واستعادة القوة الاقتصادية تفقد جانباً من أثرها السياسي عندما يشعر المواطن بأن دخله لم يعد يواكب ارتفاع النفقات.

 ثالثاً: الحرب على إيران… من القرار العسكري إلى الحساب الانتخابي

تحتلّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران موقعاً محورياً في الانتخابات الحالية، ليس فقط بسبب كلفتها العسكرية والاقتصادية، بل لأنها أعادت طرح سؤال جوهري يتعلق بحدود السلطة الرئاسية في اتخاذ قرارات الحرب، وبمدى احترام الدور الدستوري للكونغرس في هذا المجال.

لقد دخل ترامب البيت الأبيض حاملاً خطاباً يؤكد ضرورة تجنّب الحروب الخارجية المكلفة، وإنهاء الانخراط الأميركي في النزاعات التي تستنزف الموارد ولا تحقق مصالح واضحة للولايات المتحدة. ولذلك، فإن انخراط إدارته في حرب واسعة مع إيران وضع هذا الخطاب أمام اختبار سياسي، وأثار تساؤلات لدى قطاعات من الناخبين، بمن فيهم بعض مؤيديه، حول مدى الانسجام بين الوعود الانتخابية والقرارات الرئاسية.

ولا تقف المسألة عند حدود شعبية الحرب أو رفضها؛ إذ إن استمرار العمليات العسكرية يطرح إشكالية دستورية تتصل بتوزيع صلاحيات الحرب بين الرئيس والكونغرس. فالرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن الدستور يمنح الكونغرس صلاحية إعلان الحرب، كما يختصّ بإقرار الاعتمادات المالية اللازمة للإنفاق العسكري. ومن ثم، فإن الخلاف لا يدور حول مشروعية القرار السياسي فحسب، بل حول حدود الاختصاص الدستوري لكل من السلطتين. وفي حال انتقال الأغلبية في أحد المجلسين إلى الديمقراطيين، قد يتجه هؤلاء إلى تكثيف جلسات الاستماع والتحقيقات، واستدعاء مسؤولي الإدارة لتقديم توضيحات بشأن أهداف الحرب ومدتها وكلفتها، فضلاً عن استخدام صلاحياتهم المتعلقة بالموازنة والاعتمادات المالية للضغط باتجاه إخضاع استمرار العمليات لرقابة الكونغرس.

وبذلك، تتحوّل الحرب من ملف في السياسة الخارجية إلى عامل مؤثر في التوازنات الدستورية الداخلية، وتصبح نتائج الانتخابات مرتبطة أيضاً بالسؤال عن الجهة التي تملك الكلمة الفصل في تحديد مسار التدخل العسكري الأميركي.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.