انتخابات الكونغرس: بضعة مقاعد “هي كلّ الفرق”
بقلم محمد قواص
«أساس ميديا»
ينشط الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب “مجاهداً”، يقفز من مهرجان انتخابيّ إلى آخر، مستنهضاً ناخبيه لعدم الاستسلام لاستطلاعات الرأي المشؤومة. تشوب خطبه حالة من الذعر ممّا قد يفرضه فقدان الجمهوريّين للأغلبيّة في مجلسَيْ النوّاب والشيوخ من صداع على ما بقي من ولايته، ومن أثقال على الإدارة الترامبيّة نفسها في بُعدها الداخليّ وأبعادها العابرة للقارّات. ولا مبالغة في أنّ مقعداً من هنا ومقعداً من هناك قد يلقي ظلالاً على مسارات وخرائط في منطقتنا.
تعيد انتخابات 3 تشرين الثاني المقبل رسم موازين القوى داخل الكونغرس، لكنّها تحدّد أيضاً هامش مناورة البيت الأبيض في إدارة ملفّات دوليّة، في مقدَّمها ملفّات الشرق الأوسط. يسيطر الجمهوريّون حاليّاً على المجلسين بأغلبيّة ضيّقة نسبيّاً: 53 مقعداً مقابل 45 للديمقراطيّين ومستقلّين اثنين ينضمّان إليهم في مجلس الشيوخ (أي 53-47 فعليّاً)، و218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيّين في مجلس النوّاب مع شاغرين ومستقلّ واحد ينحاز للجمهوريّين. يحتاج الديمقراطيّون إلى صافي 4 مقاعد في مجلس الشيوخ، وصافي 3 إلى 4 مقاعد في مجلس النوّاب، بينما يكفي الجمهوريّين الاحتفاظ بـ50 مقعداً في مجلس الشيوخ بفضل صوت نائب الرئيس جي دي فانس.
مقاعد مقلقة
هي بضعة مقاعد تقلق الرئيس. تشير نماذج التوقّعات وأسواق التنبّؤ في الأيّام الأخيرة إلى تفوّق ديمقراطيّ واضح في مجلس النوّاب، بحيث تراوح احتمالات سيطرتهم بين 85 و97 في المئة، مع توقّعات لمكاسب تراوح بين 15 و30 مقعداً. أمّا مجلس الشيوخ فيبقى أكثر تنافسيّة، إذ تمنح معظم النماذج الديمقراطيّين أفضليّة تراوح بين 55 و75 في المئة مع احتمال مرتفع لسيناريو كونغرس منقسم (مجلس نوّاب ديمقراطيّ ومجلس شيوخ جمهوريّ).
لا تحمل الاستطلاعات أخباراً مفرحة لترامب. يقلّل هذا المشهد من فرص استمرار السيطرة الجمهوريّة الكاملة، ما سيعزّز من قوّة السلطة التشريعيّة على السلطة التنفيذيّة. ومع ذلك فإنّ الأمور ما تزال غير محسومة، وهو ما يعوّل عليه ترامب في حجيجه وضجيجه لخلق مزاج عامّ يقلب الطاولة ويكذّب منجّمي الاستطلاعات. لكن ماذا تعني التوازنات المقبلة للسياسات الأميركيّة المقبلة؟
يحافظ فوز الجمهوريّين أو احتفاظهم بسيطرة كافية على استمراريّة السياسة الحاليّة. تعتمد هذه السياسة على ضغط عسكريّ واقتصاديّ مكثّف تجاه إيران، ودعم قويّ لإسرائيل، ومعاملات صارت أكثر جدلاً مع دول الخليج. لكنّ الأمر لن ينقلب فوراً إذا مال الكونغرس نحو اليسار، إذ يحذّر محلّلون من أنّ الحرب مع إيران قد تتفاقم بعد الانتخابات. فترامب يمتلك نافذة زمنيّة حتّى كانون الثاني المقبل قبل انعقاد الكونغرس الجديد، بمعنى أنّ الرئيس يبقى “ملكاً” في تحديد مفاتيح الحرب والسلم خلال هذه الفترة.
صلاحيّات الرّئيس استثنائيّة
يذهب وزير الخارجيّة ماركو روبيو أبعد من ذلك. قال إنّ الإيرانيّين يسيئون قراءة النظام الأميركيّ إذا اعتقدوا أنّ فوزاً ديمقراطيّاً سيقيّد ترامب، لأنّ “الرئيس يمتلك صلاحيّات استثنائيّة كقائد أعلى للقوّات المسلّحة”. وإذا صحّ الأمر، وهو صحيح، فإنّه سيستمرّ في فرض ضغوط مرتفعة على أمن الطاقة المرتبط باضطرابات مضيق هرمز. ومن شأن هذا الواقع أن يطيل حالة الاستنزاف على الدول الخليجيّة وحالة التوتّر في كلّ الشرق الأوسط. لكنّ ما سيناريوهات ما بعد كانون الثاني؟
يفرض فوز الديمقراطيّين، خاصّة إذا سيطروا على أحد المجلسين أو كليهما، وضعاً قانونيّاً ودستوريّاً جديداً أكبر على إدارة الرئيس ترامب. فقد يسعى الديمقراطيّون إلى تقليص العمل العسكريّ وفرض رقابة أشدّ على المساعدات لإسرائيل، وقد يدفعون باتّجاه حلول دبلوماسيّة. ووفق ذلك السيناريو المفترض يمكن فهم سعي طهران الواضح إلى إضاعة الوقت، وتبديد الفرص، والالتفاف على الوساطات، حتّى تلك التي حملها وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف وجنرالات “حلف مكّة”، والردّ على التحذير بالتهديد، بهدف رفع كلفة التوتّر على الناخب الأميركيّ، وعرقلة تمتّع ترامب بالأغلبيّة التي يتوسّلها في الكونغرس، وحرمانه من أيّ نصر سياسيّ يمكن استثماره في الساعات الأخيرة قبل فتح صناديق الاقتراع.
قد يفسّر الأمر جانباً من تكرار ترامب لازمة استئناف الضربات بعد الانتخابات، كما دعمه الرسميّ لبنيامين نتنياهو في انتخاباته بصفته الشريك الإسرائيليّ الموثوق لتلك الحرب الجديدة الموعودة. فإذا فاز ترامب بـ”ورشة” التجديد النصفيّ، فإنّه سيمتلك بيئة تشريعيّة وسياسيّة حاضنة لحملة عسكريّة يصفها بالضارية ضدّ إيران. وإذا فشل، فإنّه يمتلك خلال الشهرين المقبلين صلاحيّات كاملة، وربّما لدواع انتقاميّة شخصيّة، لفرض أمر واقع عسكريّ على إيران وعلى توازنات الكونغرس الجديد على السواء.
3 محاور رئيسيّة
تتقاطع تداعيات الانتخابات ونتائجها على المنطقة في 3 محاور رئيسيّة:
1- الأغلبيّة الجمهوريّة تعني استمرار السياسات الحاليّة المرتبطة بالحرب ضدّ إيران بما في ذلك التصعيد، والهدن، وتبادل التهديدات، لا سيما في ظلّ تراجع احتمالات الحسم العسكريّ واحتمالات تبدّل في سلوك أو وجود نظام طهران.
2- الأغلبيّة الديمقراطيّة قد تعني التراجع المحتمل عن الخيار العسكريّ لمصلحة مفاوضات وتسويات، وربّما اتّفاق قد يأتي على حساب دول حليفة للولايات المتّحدة في المنطقة على منوال ما خطّه باراك أوباما في اتّفاق عام 2015.
3- في ظلّ كونغرس جمهوريّ، فإنّ الدعم الأميركيّ لإسرائيل يبقى أكثر ثباتاً، بينما قد يواجه ضغوطاً من قبل كونغرس ديمقراطيّ متأثّر بتحوّل في مزاج الرأي العامّ الأميركيّ، وداخل الجناح اليساريّ للحزب، وحتّى داخل تيّار “أميركا أوّلاً” اليمينيّ الذي يعبّر عنه نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس. ومن شأن تلك الضغوط المحتملة، معطوفة أو متأثّرة بانتخابات الكنيست، أن تتداعى على مسار الأوضاع في غزّة ولبنان والضفّة الغربيّة.
تغيير مقاربة المنطقة
شيء ما قد تغيّره انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس. لكنّ شيئاً كثيراً قد تغيّر في مقاربة دول المنطقة لتلك الولايات المتّحدة. سبق للسعوديّة أن خبرت، جو بايدن، رئيساً ديمقراطيّاً بدأ ولايته عدائيّاً قبل أن يأتي للمملكة مُقرّاً بما تغيّر مصغياً للرياض. وفي ظلّ ما عرفناه في الولاية الحاليّة لترامب، استنتجت دول المنطقة عقم الاعتماد على واشنطن ومزاج ساكن البيت الأبيض لتوفير الأمن الاستراتيجيّ للمنطقة.
ليس صدفة أن ينشط البحث عن بدائل للأمن في توسيع العلاقات الدفاعيّة باتّجاه مصادر جديدة، سواء في أوروبا أو مع الصين أو حتّى، وهذا الأهمّ، من خلال تحالفات إقليميّة، مثل “تحالف مكّة”، ما يؤكّد النزوع نحو الاعتماد الحيويّ على أهل المنطقة لصناعة ردع لم يعد استيراده من الخارج ناجعاً، كما تعويل أهل “مكّة” على “شعابها” في توجّه وجه الزيارة المفاجئة لطهران تحرّياً لما يجنّب المنطقة الكوارث.
تغيّر شيء أيضاً في أوروبا. انسحب الأمر عليها حتّى جاءت رباعيّة منها (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) من خلال اجتماع إسطنبول، الجمعة، متبرّمة من عبث واشنطن، تنشد من رباعيّة المنطقة (السعوديّة، تركيا، باكستان، مصر) المشورة والتنسيق. بدت المنطقة عندنا، وربّما أوروبا أيضاً، غير عابئة بالتعويل على خيار معيّن في الكونغرس أو البيت الأبيض، متهيّبة وضع بيضها في سلّة مزاج متقلّب لناخب أميركيّ هوائيّ التوجّهات.
محمد قواص
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.