ترامب ورهان السلام: حين تصنع الجرأة فارقًا

7

بقلم د. ابراهيم العرب
في لحظات الحروب الكبرى، لا يكفي أن تُرفع الشعارات عن السلام، ولا أن تُلقى الخطب المنمّقة عن حقن الدماء؛ فما يصنع الفارق فعلًا هو القرار الجريء، والقدرة على الضغط حين يتردّد الآخرون، والإصرار على إيقاف آلة الحرب عندما تصبح حياة المدنيين على المحك. ومن هذه الزاوية، لا يمكن تجاهل الدور الذي أدّاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الدفع نحو وقف إطلاق النار في لبنان، وفي كبح التصعيد الذي كان يهدّد بإدخال المنطقة كلها في مرحلة أشد خطورة.
لقد بدا واضحًا، وفق ما نُقل عن مصادر أميركية، أن ترامب لم يتعامل مع التصعيد الإسرائيلي في لبنان بوصفه تفصيلًا عابرًا، بل باعتباره أزمة إنسانية وسياسية تستدعي تدخّلًا مباشرًا وحاسمًا. فالرئيس الأميركي مارس ضغطًا واضحًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولم يتردد في توجيه انتقادات قاسية له حين رأى أن التصعيد تحول إلى خطر واسع على المدنيين والاستقرار الإقليمي.
وهنا تحديدًا تظهر جرأة ترامب، فهو لم يكتفِ بالمواقف التقليدية أو البيانات الدبلوماسية الباردة، بل دخل إلى قلب الأزمة، مستخدمًا ثقله السياسي للضغط على الطرف صاحب القدرة على تغيير مسار الأحداث. وفي منطقة يعرف الجميع أن حساباتها معقدة، وأن أي كلمة قد تشعل جبهة جديدة، اختار ترامب أن يدفع باتجاه التهدئة لا التصعيد، وأن يضع وقف النار أولوية فوق الاعتبارات السياسية الضيقة.
وبالتالي، فإن ما جرى في لبنان لم يكن مجرد مناورة سياسية، بل لحظة اختبار حقيقية؛ فقد كان المدنيون يدفعون الثمن، وكانت بيروت والجنوب اللبناني يعيشان تحت تهديد مفتوح، فيما كانت احتمالات التوسع الإقليمي للحرب تزداد يومًا بعد آخر. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح من العدل القول إن ترامب تصرف كرجل دولة لا يسمح بأن تستخدم القوة السياسية لإشعال الحروب، بل لإيقافها.
ولعل الأهم أن تدخله لم يقتصر على الساحة اللبنانية وحدها، فالمسار المتصل بالمفاوضات مع إيران، والحديث عن ضرورة وقف الهجمات على مختلف الجبهات، يعكسان أن هناك محاولة جدية لإغلاق أبواب الحرب بدل فتحها. وإذا كان وقف إطلاق النار في لبنان قد أصبح ممكنًا، وإذا كانت الحرب المرتبطة بإيران تقترب من نهاياتها السياسية، فإن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى وجود قرار أميركي حازم يريد دفع الأطراف نحو التهدئة.
من هنا، يمكن فهم ما قاله دولة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري حين أشار إلى أن ترامب وحده قادر على دفع إسرائيل إلى الالتزام بوقف حقيقي لإطلاق النار. فهذه ليست عبارة عابرة، بل اعتراف سياسي بأن ميزان التأثير في هذه اللحظة كان في يد الرئيس الأميركي، وأنه استخدم هذا التأثير في الاتجاه الصحيح: وقف العدوان، حماية المدنيين، وفتح نافذة للسلام.
وقد يختلف كثيرون حول ترامب وسياساته وشخصيته، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالمواقف عندما تكون في مكانها. ففي هذه الأزمة، ظهر ترامب بوصفه رجلًا لا يخشى المواجهة، حتى مع حلفائه، إذا رأى أن استمرار الحرب سيقود إلى كارثة أكبر. وهذه هي القيادة الحقيقية التي تحتاجها الأزمات: قيادة لا تكتفي بالتوسط في الحروب، بل تسعى إلى إطفائها.
كما أن لبنان، الذي عانى طويلًا من الحروب والاعتداءات والتجاذبات الإقليمية، كان بحاجة إلى لحظة ضغط دولية حقيقية توقف النزيف. وإذا كان وقف إطلاق النار قد تحقق أو اقترب من التثبيت، فإن الدور الأميركي بقيادة ترامب يستحق أن يُذكر بوضوح. فقد أثبت أن الشجاعة في السياسة ليست دائمًا في إطلاق التهديدات، بل أحيانًا في إجبار الحلفاء قبل الخصوم على التراجع خطوة من حافة الهاوية.
لهذا، يمكن القول إن الرئيس دونالد ترامب قدّم نفسه في هذه اللحظة كرجل سلام بامتياز؛ رجل امتلك الجرأة ليقول لا للتصعيد، وليضغط من أجل وقف النار، وليفتح أمام لبنان والمنطقة فرصة جديدة للهدوء. ولولا هذا الضغط المباشر، لاستمرت إسرائيل في عدوانها على الضاحية وربما بيروت، وربما بقيت الحرب مرشحة لمزيد من الاتساع بدل الاقتراب من نهايتها.
في المحصلة، لا تصنع السلام النوايا وحدها، بل تصنعه الإرادة. وفي هذه الأزمة، بدت إرادة ترامب واضحة: وقف النار، منع الانزلاق الكبير، وإعطاء السياسة فرصة أخيرة قبل أن تلتهم الحرب ما تبقى من استقرار المنطقة. وهذه، في ميزان اللحظة، شجاعة تستحق الثناء. وفي الختام، إنّ الأراضي اللبنانية الجنوبية المحتلة ستتحرر في القريب العاجل، بإذن الله تعالى، وسيعود الحق إلى أصحابه مهما طال الزمن. كما أنّ ملف الأسرى سيبقى أولوية وطنية وإنسانية حتى إطلاق سراحهم وعودتهم إلى أهلهم، تمامًا كما ستبقى عودة النازحين إلى قراهم ومدنهم هدفًا أساسيًا لا تراجع عنه. وفي هذه الظروف القاسية، تثبت الدبلوماسية اللبنانية الناجحة أنّها الطريق الأنجع لحماية لبنان، واستعادة حقوقه، وتثبيت الاستقرار، لأنها تعبّر عن حكمة الدولة وقدرتها على تحويل المعاناة إلى فرصة للإنقاذ، والصمود إلى أمل قريب بالتحرير والعودة. ونغتنم هذه المناسبة، لنتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون، على الجهود الوطنية والمسؤولة التي بذلها في سبيل التوصل إلى وقف إطلاق النار، من خلال المسار التفاوضي الذي قاده بحكمة وثبات، وبما عكس حرصه العميق على حماية لبنان وشعبه وتجنيب البلاد المزيد من الدمار والمعاناة. فلقد أثمرت هذه الجهود، بالتعاون مع الوسيط الأميركي، عن خطوة مهمة نحو التهدئة وفتح باب الأمل أمام مرحلة أكثر استقرارًا، تؤكد أن الدبلوماسية الصادقة والإرادة الوطنية قادرتان على تحقيق نتائج تحفظ كرامة لبنان وسيادته وأمن أبنائه.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.