قراءة في مسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية
بقلم دافيد عيسى
صدق من قال: «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل». فالأمل مطلوب دائمًا، بل هو حاجة إنسانية ووطنية لا غنى عنها، ولا سيما في ظل التصعيد الإسرائيلي على لبنان وما يخلّفه من شهداء وجرحى ونزوح ومعاناة متفاقمة.
غير أن الأمل، عندما يتحول إلى مبالغة في التوقعات أو إلى رهان غير محسوب على نتائج غير مضمونة، قد يقود إلى خيبات كبيرة وإحباطات متراكمة عند الاصطدام بوقائع الميدان وتعقيدات السياسة.
من هنا، تبدو الواقعية، على الرغم من قساوتها أحيانًا، أكثر فائدة من بناء آمال ضخمة قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
فالاعتراف بالحقائق كما هي لا يعني الاستسلام، بل يشكل الخطوة الأولى نحو مقاربة مسؤولة للأزمات الوطنية وبناء سياسات قابلة للتطبيق.
هذا الكلام أقوله وأنا أتابع المفاوضات الجارية برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل، وما يرافقها من رهانات وتوقعات لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية.
فالمطلوب اليوم ليس رفع سقف الآمال إلى حدود غير قابلة للتحقق، بل وضع أهداف وخطط تتناسب مع قدرات الدولة اللبنانية وإمكانات الجيش اللبناني والواقعين السياسي والأمني القائمين. ومن بين هذه الأهداف الواقعية العمل على تثبيت وقف إطلاق النار، والحد من الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية، وتعزيز حضور الدولة في المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف اللازمة لمعالجة القضايا الخلافية عبر المؤسسات الدستورية والحوار الوطني.
كما أن الدولة اللبنانية مطالبة بأن تكون صادقة مع نفسها ومع شعبها ومع الراعي الأميركي، وأن تؤكد بوضوح أن معالجة ملف سلاح حزب الله لا يمكن أن تتم في ظل استمرار القصف الإسرائيلي والاعتداءات المتواصلة على الأراضي اللبنانية. وحتى في حال التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار، فإن مقاربة هذا الملف لا يمكن أن تقوم على منطق القوة، بل على الحوار والتفاهم الوطني، لاعتبارات عدة. أول هذه الاعتبارات أن لبنان لا يملك قوة قادرة على نزع سلاح حزب الله بالقوة، كما أن الجيش اللبناني لا يستطيع الدخول في مغامرة من هذا النوع وما قد تستتبعه من تداعيات خطيرة على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي.
أما الاعتبار الثاني، وهو الأهم، فيتعلق بالعامل الإقليمي الذي لا يمكن لأي قراءة واقعية للمشهد اللبناني أن تتجاهله.
فحزب الله ليس مجرد حزب أو قوة سياسية وعسكرية، بل هو جزء من محور إقليمي تقوده إيران، ما يجعل التطورات الجارية بين واشنطن وطهران ذات تأثير مباشر أو غير مباشر على مستقبله ودوره وموقعه في المعادلة اللبنانية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة جدية لهذا الملف تبقى مرتبطة، إلى حد كبير، بمسار التوازنات الإقليمية وبما ستفضي إليه العلاقات الأميركية ـ الإيرانية في المرحلة المقبلة.
لذلك، فإن الرهان على تحقيق اختراقات كبيرة في الملف اللبناني بمعزل عن المسار الأميركي ـ الإيراني قد يكون رهانًا غير واقعي.
فالجميع يدرك، في قرارة نفسه، أنه مهما حاولنا الفصل بين المسارين، فإن الترابط بينهما يبقى قائمًا إلى حد بعيد، الأمر الذي يفرض أخذ هذا العامل في الاعتبار بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وما إذا كانت ستقود إلى تفاهمات جديدة أو إلى مزيد من التصعيد والتوتر.
ولعل الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان كان من أكثر المسؤولين واقعية ودقة في توصيفه للمخاطر التي يواجهها لبنان، عندما أشار إلى أن مطالبة الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله في ظل استمرار القصف الإسرائيلي تبدو أمرًا غير واقعي.
ويعكس هذا التوصيف إلى حد بعيد طبيعة المعضلة التي تواجهها الدولة اللبنانية في هذا الملف، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، بما يجعل الوصول إلى حلول سريعة وشاملة أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي السياق نفسه، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بالامس ليعكس جانبًا أساسيًا من هذه الإشكالية، عندما أكد استعداده لضمان التزام كامل وشامل وفوري بوقف إطلاق النار من قبل المقاومة، متسائلًا: «لكن من يُلزم إسرائيل بوقف عدوانها وهدمها للقرى والمنازل؟».
ويختصر هذا التساؤل جوهر المعضلة القائمة، إذ يصعب تحقيق أي تقدم فعلي أو معالجة متوازنة للملفات الخلافية في ظل استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية، ما يجعل تثبيت وقف إطلاق النار شرطًا أساسيًا لتهيئة الظروف المناسبة أمام أي مسار تفاوضي جدي.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الحكومة في وضع هذا الملف في صدارة تحركاتهم الدبلوماسية، وتكثيف الاتصالات مع الدول الصديقة والمؤثرة، ولا سيما تلك القادرة على ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وخروقاتها المستمرة.
فاستمرار المواجهة العسكرية لا يساعد الدولة اللبنانية على استكمال مسار التفاوض، كما لا يهيئ المناخ المناسب لمعالجة القضايا الخلافية الداخلية.
كما أن استمرار التوتر يفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية ويؤخر فرص التعافي وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة.
كذلك، فإن توفير حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي يبقى شرطًا أساسيًا لتمكين الدولة من إطلاق حوار وطني جدي حول مختلف الملفات العالقة، وصولًا إلى تفاهمات تعزز سلطة الدولة ووحدتها وتحفظ الاستقرار الداخلي.
إن المطلوب اليوم هو مقاربة واقعية لا تستسلم للأمر الواقع، لكنها لا تبالغ أيضًا في الرهان على نتائج قد لا تنضج ظروفها بعد.
فالمفاوضات قد تشكل مدخلًا إلى حلول تدريجية، لكنها ليست عصًا سحرية قادرة على معالجة جميع التعقيدات دفعة واحدة.
كما أن لبنان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن المتغيرات التي تعصف بالمنطقة، ولا أن يتجاهل الترابط القائم بين الملفات الإقليمية الكبرى والواقع الداخلي.
لذلك، فإن أي تقدم حقيقي ومستدام يبقى مرتبطًا بقدرة اللبنانيين على تعزيز وحدتهم الوطنية، وبمدى نضوج الظروف الإقليمية والدولية المؤثرة في مسار الأحداث.
لذلك، يبقى الأمل ضرورة وطنية، شرط أن يكون أملًا واعيًا يستند إلى الحقائق لا إلى الأوهام.
فالسياسة الناجحة لا تُبنى على التمنيات، بل على قراءة دقيقة للوقائع وموازين القوى. ومن هنا، تبقى الواقعية، مهما كانت قاسية، أقل كلفة على الأوطان من خيبات الأمل التي يولدها تضخيم التوقعات ورفع سقوفها إلى ما يتجاوز قدرة الواقع على الاحتمال.
فلبنان، الذي واجه عبر تاريخه أزمات وتحديات كبرى، يحتاج اليوم إلى قدر من الحكمة يوازي حجم المخاطر المحيطة به، وإلى مقاربة تجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية والوعي بحدود الممكن.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالقدرة على تحويل الوقائع الصعبة إلى فرص، والتحديات المعقدة إلى مسارات تدريجية نحو الاستقرار والسيادة والدولة القادرة.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.