تمديد ولاية المفتي: تصحيح المسار صوناً للمشروعية / 2

3

بقلم د. ابراهيم العرب

والأهم من ذلك أن يصاغ القرار الجديد، إن تقرر إصداره، بعبارات واضحة ومحددة، وأن يتضمن أسبابه القانونية والواقعية، وأن يستند إلى النصوص النافذة التي تجيز اتخاذه. فالمطلوب ليس مجرد تكرار مضمون القرار السابق تحت رقم جديد، بل اتخاذ قرار مستقل يستوفي شروطه الذاتية، ويعالج، بقدر ما يسمح به القانون، العيوب الإجرائية التي أثيرت بشأنه.

ولا بد هنا من التنبيه إلى أن القرار الجديد لا يمحو تلقائياً آثار القرار السابق، ولا ينهي بالضرورة المراجعة القضائية القائمة؛ إذ تتوقف هذه المسائل على طبيعة القرارين، وأثر الإجراء الجديد في موضوع النزاع، والقواعد التي يطبقها القضاء المختص. ومن ثم، ينبغي أن تتم المعالجة بالتوازي مع احترام ولاية القضاء، لا على حسابها.

رابعاً: استقلال المؤسسة لا يعني إعفاءها من المشروعية

إن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى مؤسسة تتمتع بخصوصية دينية وقانونية، ويجب صون استقلالها في ممارسة اختصاصاتها. غير أن الاستقلال المؤسسي لا يعني الانفصال عن مبدأ المشروعية، كما أن الرقابة القضائية لا تعني الانتقاص من مكانة المؤسسة أو التدخل في جوهر دورها الديني.

فالاستقلال والمشروعية ليسا نقيضين، بل يكمل أحدهما الآخر. والاستقلال الحقيقي هو الذي يمكّن المؤسسة من اتخاذ قراراتها بحرية ضمن الحدود التي يرسمها القانون، فيما تضمن الرقابة القضائية ألا تتحول هذه الحرية إلى ممارسة غير منضبطة بالقواعد القانونية.

ومن الخطأ، تبعاً لذلك، تصوير المسألة وكأنها مواجهة بين دار الفتوى ومجلس شورى الدولة، أو بين الاعتبارات الدينية والضوابط القانونية. فالقضاء الإداري لا يُطلب منه أن يحل محل المؤسسة في ممارسة اختصاصاتها، بل أن يتحقق من احترامها القواعد التي تحكم تلك الاختصاصات. وفي المقابل، لا ينبغي للمؤسسة أن ترى في مراجعة قراراتها انتقاصاً من هيبتها، بل فرصة لإثبات أن أعمالها تستند إلى أصول صحيحة.

ومن هنا، فإن إصدار قرار جديد، إذا استوفى شروطه القانونية، يمكن أن يشكل خطوة نحو احتواء الخلاف، شرط ألا يتحول إلى وسيلة لاستباق الحكم القضائي أو إفراغ الرقابة من مضمونها.

خامساً: اجتماع السبت فرصة لتغليب منطق الدولة والمؤسسات

إن اجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، بمشاركة رئيس الحكومة ورؤساء الحكومات السابقين، قد يتيح مساحة للتشاور حول المخرج الأنسب، ولا سيما أن القضية تتصل بموقع دار الفتوى في الحياة الدينية والوطنية، وباستمرارية عمل المؤسسات، وبضرورة تجنب أي انقسام لا مبرر له.

لكن نجاح الاجتماع لا ينبغي أن يُقاس بقدرته على إنتاج توافق سياسي فحسب، بل بقدرته على الفصل بين التشاور الذي يساعد على تقريب وجهات النظر، والقرار الذي لا يصدر إلا عن المرجع المختص ووفق الأصول. فالحضور السياسي، مهما كانت أهميته، لا يحل محل الاختصاص القانوني للمجلس الشرعي، ولا يغني عن النصاب والتصويت وتوثيق الإجراءات.

وإذا أفضت المشاورات إلى التوافق على إصدار قرار جديد، فإن الخطوة الأهم تتمثل في أن يُترجم هذا التوافق إلى عمل مؤسسي مكتمل الأركان، لا إلى إعلان سياسي أو تفاهم شفهي. فالمؤسسات لا تُحمى بالنيات الحسنة وحدها، وإنما بالإجراءات التي تجعل القرار قابلاً للإثبات والدفاع عنه أمام القضاء والرأي العام. كما أن اعتماد هذا المسار من شأنه أن يبعث رسالة إيجابية مفادها أن الخلافات القانونية، مهما بلغت حساسيتها، يمكن معالجتها بالحوار المسؤول والعودة إلى الأصول، بعيداً عن منطق التحدي أو فرض الأمر الواقع.

إن قضية تمديد ولاية المفتي لا ينبغي أن تتحول إلى معركة حول الأشخاص، ولا إلى اختبار لميزان القوى بين المرجعيات السياسية والدينية. إنها، في المقام الأول، قضية مشروعية مؤسسية، تتصل بكيفية اتخاذ القرار، وبالضمانات التي تجعل الإرادة الجماعية للمؤسسة إرادة صحيحة في نظر القانون.

وإذا كان تقرير المستشار المقرر قد أثار مسائل جدية تتعلق بالملف الإداري وإجراءات اتخاذ القرار رقم 55، فإن الكلمة القضائية النهائية تبقى لمجلس القضايا، الذي يتعين انتظار قراره قبل الجزم بمصير المراجعة. وفي الوقت نفسه، لا يمنع احترام المسار القضائي من بحث الحلول القانونية المتاحة، وفي مقدمتها إصدار قرار جديد وفق الأصول، متى كان ذلك جائزاً، وبما يحترم اختصاص المجلس الشرعي والقواعد التي ترعى عمله.

إن الحكمة ليست في التمسك بقرار لمجرد أنه صدر، ولا في التراجع عنه لمجرد أن الطعن فيه أصبح جدياً؛ بل في القدرة على التمييز بين جوهر المسألة وسلامة الطريق الذي أُنجزت من خلاله. فربما كان القرار قابلاً للدفاع عنه من حيث الغاية، لكن ذلك لا يعفي من التحقق من سلامة الإجراءات التي أفضت إليه. وربما كان تصحيح المسار هو السبيل الأجدى إلى صون الغاية ذاتها، من دون التفريط بالقانون أو باستقلال المؤسسة.

وفي نهاية المطاف، لا تُصان هيبة دار الفتوى بتعليق مصيرها على نتيجة نزاع قضائي، بل بترسيخ الثقة في مؤسساتها وقراراتها. فالقرار الذي يولد من رحم الأصول القانونية يكون أكثر قدرة على الصمود، وأبعد عن الشكوك، وأجدر بأن يجمع ولا يفرّق. وتلك هي الغاية التي ينبغي أن تتقدم على كل اعتبار آخر: حماية مقام الإفتاء، وصون استقلال المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وتأكيد أن احترام القانون ليس عبئاً على المؤسسات، بل هو أساس قوتها واستمرارها.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.