نتنياهو.. ” القاتل الساحر” أمام ستارته الأخيرة

20

بقلم ابراهيم ريحان

«أساس ميديا»

على خلاف أسلافه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية، الذين استمدّوا شرعيتهم السياسية من الأوسمة المعلّقة على صدورهم خلال عملهم في الجيش، جاء بنيامين نتنياهو من عالم السياسة ليرتكب ما ارتكبه أسلافه من حروب وعمليات أمنية. لكنه منذ دخله لم يكفّ عن حصد الأوسمة في عيون جمهور إسرائيلي يخشى محيطه ويفكّر بمنطق “توراتي خلاصي”. ففي عهده سقط حسن نصرالله وقادة الصف الأول في “الحزب”، ومحمد الضيف ويحيى السنوار وقادة “حماس”، وعادت إسرائيل إلى احتلال غزة بعدما انسحبت منها إسرائيل عام 1994 في عهد إسحاق رابين تطبيقاً لاتفاق أوسلو. هكذا بلغ القمة بلا نياشين، لكن بسجلّ لا يُنافَس.

نتنياهو الذي لا يحتاج إلى التفتيش عن مقعد في التاريخ الإسرائيلي، توج حملته الإنتخابية أمس بإعلانه عن إصدار  توجيهات بإسقاط النظام في إيران، وقال سأُطلع الرئيس الأميركي دونالد ترامب “على ما نعتزم القيام به ولن أطلب منه الضوء الأخضر”. وهو كان قد استولى على المشهد لسنوات عديدة حتى بات يُخيل للإسرائيليين أن الدولة وقرينها شيء واحد. في نبرة صوته الجهورية، ولغته الإنكليزية الصقيلة ذات اللكنة الأميركية المتقنة، وحركاته المحسوبة بعناية أمام الشاشات، شيء من سطوة القادة التاريخيين.

إنه “الساحر السياسي”. سحر الرجل الذي استطاع عبر أكثر من ثلاثة عقود أن يدفن عشرات الخصوم والجنرالات، وأن يفكك الكتل الحزبية، ويخرج حياً من كل الأزمات القضائية والسياسية التي ظن الجميع أنها القاضية.

اليوم، وقبل أيام معدودة من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع في 27 من الشهر الحالي، يجد نتنياهو نفسه أمام الامتحان الأكثر شراسة وقسوة في حياته السياسية. لم تعد الانتخابات مجرد منافسة حزبيّة على الأغلبية البرلمانية، بل تحولت إلى استفتاء مصيري على إرثه السياسي ومستقبله الشخصي بعد سنوات من الحرب والزلزال العاصف الذي أحدثه هجوم 7 أكتوبر 2023 وتراجع الاستطلاعات أمام جبهة المعارضة المتحدة.

ابن المؤرخ وسليل “الجابوتنسكية”

لم يولد نتنياهو في المؤسسة العسكرية كغالبية خصومه المنافسين، بل ولد في بيئة أيديولوجية صارمة.     لأب من أصل بولندي وأم أميركية يهودية تدعى زيلا سيغال، وورث عن والده العقيدة اليهودية المتشددة وكره العرب والمسلمين. كان أبوه بنشيون نتنياهو وهو مؤرخ وأستاذ جامعي متعصب للتيار التعديلي (الجابوتنسكي)، ينظر للسياسة كصراع وجودي سرمدي لا مهادنة فيه ولا مساومة على جغرافيا الأرض. ونشأ بنيامين في ظل هذه العقيدة الشرسة التي تفرز العالم إلى معسكرين: “نحن” و”الأعداء”.

تأثر نتنياهو بنشأته العائلية، وبمقتل شقيقه الأكبر “يوناتان” في عملية عنتيبي (عملية عنتيبي والمعروفة رسمياً باسم عملية ثندربولت أو عملية يوناتان هي عملية إنزال جوي واقتحام عسكري نفذتها قوات الكوماندوز التابعة للجيش الإسرائيلي ليل 3 إلى 4 يوليو 1976 في مطار عنتيبي الدولي بأوغندا). حوّل نتنياهو هذه الفاجعة العائلية إلى رأس مال سياسي ورمزية للأمن القومي، ودخل الدبلوماسية عبر بوابة الأمم المتحدة في الثمانينيات، ليظهر كوجه إسرائيلي جديد يتقن مخاطبة الغرب بلغة التسويق الإعلامي والمصطلحات التلفزيونية الحديثة.

حين انتخبه حزب “الليكود” زعيماً وسقطت أسوار القيادات القديمة، أعاد نتنياهو صياغة اليمين الإسرائيلي. تحالف مع الشارع الشرقي المتدين، ونسج العرى مع الحريديم والمستوطنين، محولاً اليمين من مجرد معسكر سياسي إلى هوية شعبية كاسحة ومناهضة للنخبة في تل أبيب الإشكنازية واليسار التقليدي.

عقيدة “السوبر سبارتا” وإدارة الصراع

استندت سنوات عمل نتنياهو الطويلة في السياسة إلى عقيدة سياسية وأمنية تقوم على مبدأ “القوة المفرطة والسلام من خلال القوة”. آمن نتنياهو بأن إسرائيل يمكنها أن تكون “سوبر سبارتا” (أو “إسبرطة العظمى” – Super-Sparta) هو نموذج سياسي واقتصادي وعسكري طرحه نتنياهو في خطاب ألقاه بالقدس في 15 سبتمبر 2025، لمواجهة ما وصفه بالعزلة الدبلوماسية والاقتصادية المتزايدة لإسرائيل خلال الحرب على قطاع غزة) تكنولوجية واقتصادية وعسكرية، تبرم اتفاقيات أبراهام وتحصن علاقاتها مع القوى العظمى، وتتجاوز القضية الفلسطينية عبر تهميشها وتقزيمها وإدارة الصراع بدلاً من حله.

على مدى سنوات، نجح نتنياهو في تسويق نفسه للجمهور الإسرائيلي كـ “السيد أمن” (Mr. Security) والمُستقر الاقتصادي الموثوق، الذي يحمي إسرائيل من المشروع النووي الإيراني ويمنع قيام دولة فلسطينية. لكن زلزال السابع من أكتوبر جاء ليدمر البرادايم السياسي والعسكري الذي بناه لسنوات (البرادايم هوالإطار الفكري، أو النموذج الإدراكي، أو “نظّارة العقل” التي يرى الإنسان من خلالها العالم ويفهم من خلاله الظواهر). إذ تحولت عقيدة إدارة الصراع إلى أكبر انكسار أمني في تاريخ الدولة العبرية، لتنقلب ورقة الأمن التي طالما تباهى بها إلى الحجة الأولى التي يرفعها خصومه لإزاحته ومطالبته بالمساءلة.

السياسي الساحر في زاوية الشطرنج

يخوض نتنياهو هذه الانتخابات وهو يعلم أنه يقاتل في أشرس معاركه ومحاصر بخيارات أحلاها مر. فكتلة اليمين والحريديم التي اعتمد عليها تتصدع بفعل أزمات تجنيد الحريديم والضغوط الاقتصادية، بينما تقف المعارضة أمامه بصفوف أكثر تماسكاً وتنسيقاً تحت قيادة وجوه عسكرية وتكنوقراطية مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت.

مع ذلك، ينظر الخبراء إلى نتنياهو كقائد لا يستسلم حتى الثواني الأخيرة. فهو يرتكز في حملته الراهنة على الخطاب الوجودي الشرس: يقدم نفسه للشارع كقائد وحيد يملك الشجاعة والقدرة على الوقوف في وجه الضغوط الأميركية والدولية، وتدمير طموحات إيران الإقليمية ومحورها، وإنجاز “النصر الكامل”. يهاجم المعارضة ويصفها بـ “الضعف والاستسلام”، ويلعب على وتر المخاوف والتكتل الحزبي بين ناخبي الليكود واليمين لاستنفارهم وتجنب تفكك الكتلة النيابية الحاكمة.

معركة العرش والأيام الأخيرة

يعرف نتنياهو تماماً أن خسارته للانتخابات لا تعني فقط مغادرة مكتب رئيس الوزراء في شارع بلفور، بل قد تعني فتحه الباب أمام تداعيات المحاكمات القضائية ولجان التحقيق الرسمية التي تنتظره بعد القتال. لذلك، يخوض هذه الدورة الانتخابية بروح المحارب الذي يدرك أن أي تنازل هو انتحار سياسي.

بين ابن المؤرخ القومي المعاند والسياسي الأعتى في تاريخ إسرائيل الحديث، يقف نتنياهو اليوم حابساً أنفاسه مع الاقتراب السريع ليوم الاقتراع. يراهن على تاريخه وتشتت الكتل المناهضة في أمتار اللحظة الأخيرة. وفي السابع والعشرين من هذا الشهر، سيتضح ما إذا كان “الساحر” سيتجاوز هذه العاصفة العاتية بانتصار آخر يمد في عمر مملكته، أم أن الستار سيهبط أخيراً على أكثر الطموحات السياسية صخباً وطولاً في تاريخ الدولة العبرية.

ابراهيم ريحان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.