حين يهدّد القانون حرية الصحافة، تهتزّ أركان الديمقراطية / 1
بقلم وديع الخازن
وزير سابق وعميد المجلس العام الماروني
ليست حرية الصحافة منحةً من سلطةٍ تمنحها متى شاءت وتحجبها متى شاءت، وليست امتيازاً يُسبغ على أهل الإعلام بقرارٍ من الحاكم. إنها حقّ أصيل، وضمانة ديمقراطية، وركنٌ من أركان دولة القانون والمؤسسات.
وفي لبنان، الذي لطالما تميّز في محيطه العربي بصحافته الحرة، وبثراء تعدديته الفكرية والسياسية، وبمساحة واسعة للتعبير والنقاش العام، فإن أي محاولة للمساس بهذا الهامش من الحرية لا يجوز أن تمرّ مرور الكرام، بل تستوجب أعلى درجات اليقظة والمسؤولية الوطنية.
من هنا، فإن الجدل الدائر حول التشريع الجديد للإعلام ليس شأناً قانونياً تقنياً أو تفصيلاً تشريعياً عابراً، بل هو قضية تمسّ صميم الحياة الديمقراطية ومستقبلها. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: إلى أي مدى يحق للدولة أن تذهب في مواجهة التجاوزات الإعلامية، من دون أن تتحوّل مكافحة هذه التجاوزات، وهي مشروعة في أصلها، إلى وسيلة للضغط على الصحافة وتقييدها؟
الجواب يجب أن يكون حاسماً لا لبس فيه: لا إصلاح يمكن أن يكون مقبولاً إذا جعل الصحافي مهدداً بالسجن لمجرد قيامه بواجبه المهني.
لا جدال في أن مكافحة التضليل الإعلامي ضرورة. فالأخبار الكاذبة، وتزييف الحقائق، وحملات التشهير، والتحريض على الكراهية، كلها ممارسات قد تلحق بالمجتمع أضراراً بالغة. والصحافي نفسه يتحمّل مسؤولية أساسية في التثبت من المعلومات، واحترام قواعد المهنة وأخلاقياتها، وصون كرامة الإنسان وسمعته.
لكن الفارق كبير بين محاسبة تجاوزٍ واضح وثابت، وبين إقامة منظومة قانونية تُلقي ظلال الخوف على المهنة الصحافية بأسرها.
فالديمقراطية الواثقة من نفسها لا تخشى السؤال الصعب، ولا تخاف التحقيق الذي يكشف الخلل، ولا تعتبر النقد تهديداً لسلطتها. بل إن قوة المؤسسات الديمقراطية تظهر تحديداً عندما تكون السلطة موضع مساءلة، وعندما تخضع قراراتها للنقد والمراقبة، وعندما تستطيع الصحافة أن تطرح الأسئلة التي قد لا يرغب أصحاب القرار في سماعها.
الصحافي ليس عدواً للدولة، بل عينٌ تراقب أداءها، وضميرٌ يضيء مكامن الخلل فيها.
ولهذا، فإن كل نص قانوني يُصاغ بعبارات فضفاضة، أو يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة وغير منضبطة، يجب أن يخضع لمراجعة جدية وعميقة. فمصطلحات من قبيل «الأخبار الكاذبة» و«التضليل» و«المحتوى الضار» لا يجوز أن تبقى رهينة التعريفات المطاطة؛ إذ ينبغي تحديدها بدقة شديدة، حتى لا تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى أدوات لملاحقة الأخطاء أو الآراء أو الانتقادات أو التحقيقات الصحافية التي قد تكون محرجة للسلطة.
فالخطر لا يكمن دائماً في القانون الذي يعلن غاية سيئة، بل قد يكمن أيضاً في قانون يرفع شعاراً نبيلاً، ثم تأتي طريقة تطبيقه لتنتج أثراً يناقض الغاية التي وُضع من أجلها.
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة إضعاف مؤسساته، وتراجع ثقة المواطن بها، وتراكم الضغوط على حرية الكلمة في الحياة العامة. وليس من الحكمة، في هذه المرحلة الدقيقة، أن نضيف إلى هذا الضعف إضعافاً جديداً للصحافة، أو أن نجعل الإعلام أسير الخوف من العقوبة.
فلبنان ليس طارئاً على الحرية الصحافية. لقد كانت بيروت، على مدى أجيال، منارةً للفكر والنشر وحرية الرأي في العالم العربي. ومن هذه المدينة انطلقت أصوات صحافيين وكتّاب ومفكرين أسهموا في صناعة الوعي العربي، ورسّخوا تقليداً إعلامياً وفكرياً أصبح جزءاً من هوية لبنان وتراثه الوطني.
وهذا الإرث لا يجوز أن يُضحّى به تحت عنوان تنظيم الإعلام، ولا أن تتحول الحاجة المشروعة إلى التنظيم إلى ذريعة لتضييق مساحة الحرية.
وفي المقابل، لا بد من التمييز الواضح بين حرية الصحافة والإفلات من المسؤولية. فالدفاع عن الصحافي لا يعني منحه حصانة من المحاسبة، ولا يبرر التشهير أو اختلاق الوقائع أو الاعتداء على سمعة الآخرين. وعندما يثبت وقوع تجاوز حقيقي، يجب أن تكون هناك مساءلة.
لكن المساءلة شيء، والترهيب شيء آخر.
العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع الفعل، والإجراءات يجب أن تكون عادلة، والقضاء يجب أن يبقى مستقلاً، بعيداً عن أي ضغط أو توظيف سياسي.
ومن الأجدى، في هذا المجال، إعطاء الأولوية للوسائل التي تتيح جبر الضرر، وتصحيح المعلومات الخاطئة، وتأمين حق الرد، بدلاً من جعل السجن أداةً أساسية في معالجة قضايا مرتبطة بممارسة حرية التعبير. فالسجن، في هذا السياق، ليس مجرد عقوبة؛ إنه رسالة تخويف قد تمتد آثارها إلى كامل الجسم الصحافي.
يتبع غداً
وديع الخازن
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.