سقوط الخطايا: هندسة حوار بين “الحزب” وواشنطن

6

بقلم محمد قواص

«أساس ميديا»

فتحت واشنطن مسار حوار مع “الحزب”، قد يتعثّر ويتأخّر، وقد لا يكتمل. بات مبدأ الحوار بين الطرفين احتمالاً سبق أن استسهله الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نفسه. اكتشف “الحزب” أن لا مانع لذلك الاحتمال، وإن أُلحق ذلك “الكشف” بأعراض من ارتباك وتخبّط لم ترقَ إلى مستوى النفي والرفض. ماذا وراء تلك “الخطايا” التي قد تُرتكب وما جدّيّتها؟

في 22 من آب، أعلن نائب رئيس مجلسه السياسيّ محمود قماطي من على منبر قناة “المنار” أنّ “المقاومة اختارت الصبر وإعطاء فرصة للمسار السياسيّ”، وأنّ “الحزب” “لا يغلق الباب بصورة نهائيّة” أمام تواصل مباشر مع الأميركيّين. بدا أنّ الرجل مُكلّف بتمرير “كلمتين” لبعث رسائل مطلوب من واشنطن سماعها. حتّى إنّ السؤال بات ملحّاً: عن ماذا يتكلّم “الحاج”؟ من دعا “الحزب” أساساً إلى هذا التواصل؟

الحوار مع “الشّيطان الأكبر”

اعتاد “الحزب” وحتّى “البيئة” اعتبار الولايات المتّحدة شرّاً مطلقاً. أن يذهب “الحزب” إلى ذلك التواصل، فإنّ الأمر يصبح “حلالاً” ما دامت الجمهوريّة الإسلاميّة تتواصل وتتحاور مع “الشيطان الأكبر” منذ عقود وما تزال. ولئن أُرسل قماطي للإدلاء بدلو لا شكّ أوحت به طهران من بعيد، فإنّ جلبته سُمعت في واشنطن واحتاج الأمر إلى توضيح في بيروت.

بعد أيّام، نفى السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى أن تكون هناك مفاوضات، لكنّه ترك الباب موارباً. قال إنّه “إذا كان لديه (الحزب) شيء يقدّمه فممكن، وأمّا الزيارات واحتساء القهوة  فأمر غير متاح”. وبين هذين التصريحين، تسرّبت معلومات عن همّة وسطاء محليّين وأتراك وقطريّين في هذا الصدد.

احتاج تصريح قماطي المثير للجدل، وربّما الغضب عند الطوباويّين، إلى تحديث ترميميّ. في 28 آب، تطوّع الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم ليقول رواية جديدة مفادها أنّ التفاوض مع إسرائيل “استسلام بمذلّة”، واتّفاق الإطار الثلاثيّ الموقّع في واشنطن في 26 حزيران الماضي “منعدم الوجود”، ولا بديل عن مسار إسلام آباد الذي ترعاه إيران.

ردّت الخارجيّة الأميركيّة على “الترميم” بلهجة لا تقلّ حسماً:

1-الحكومة اللبنانيّة وحدها هي المحاوِر الشرعيّ.

2-أيّ تواصل مع “الحزب” مشروط بتسليم السلاح.

3-“الحزب” اليوم “لا يريد التحدّث مع بيروت ولا مع واشنطن ولا مع تل أبيب لأنّه يتلقّى أوامره من طهران”.

ماذا وراء كلام “الحزب”؟

الأرجح أنّ في ذلك “الردح” المتبادل عُدّة شغل لتواصل محتمل قيد الإعداد من قبل الوسطاء. بغضّ النظر عن احتمال حدوث حوار بين من يُعتبر “شيطاناً” ومن يُعتبر “إرهابيّاً” على لوائح واشنطن، يمكن قراءة نسختَي قماطي وقاسم وفق احتمالات عدّة، أهمّها:

1- أن يكون تصريح قماطي زلّة تكتيكيّة أريد منها اختبار المزاج الأميركيّ، ثمّ جرى احتواؤها إعلاميّاً وإدراجها ضمن مسار إسلام آباد الإيرانيّ لا مسار واشنطن اللبنانيّ.

2- أن يكون “الحزب” يمارس لعبة الوجهين عمداً، بحيث يخاطب قماطي بيئته الشيعيّة المنهكة ويمهّد نفسيّاً لتراجع ما، ويخاطب قاسم الداخل الإيرانيّ والقاعدة الأيديولوجيّة ليؤكّد أن “لا تراجع ولا استسلام”.

3- أن يكون الأمر انعكاساً مباشراً لتردّد طهران نفسها، التي تسمح بقناة محدودة وغير مباشرة كصمام أمان، بينما مفاوضاتها الخاصّة مع واشنطن متعثّرة، فتبقي “الحزب” ورقة تفاوض لا تُصرف دفعة واحدة.

تتقاطع الاحتمالات الثلاثة أكثر ممّا تتناقض. فـ”الحزب” اليوم أضعف عسكريّاً ممّا كان، ويحتاج إلى ما يحفظ له هامش المناورة من دون إعلان هزيمة. وتستخدم طهران، من جهتها، الساحة اللبنانيّة قناة ضغط بديلة حين تتعطّل قنواتها المباشرة، مراهنةً على أنّ نجاح أيّ انفراج جزئيّ سيُحسب لها دليلاً على أنّها حافظت على “وحدة الساحات”، بينما يُحمّل فشله لواشنطن. وفي الاحتمالات أيضاً أنّ طهران التي تكثّف رسائل داخليّة وتتوجّس من الاقتصاد وتطالب بالصفقة، تستعدّ لذلك وتلوّح لواشنطن بمواهبها لإنتاح صفقة مكمّلة في لبنان.

براغماتيّة أميركيّة

في واشنطن، كان سبق لترامب أن كشف في 3 حزيران المنصرم أنّه تحدّث شخصيّاً مع “الحزب” للتوصّل إلى تفاهم يقضي بوقف تبادل إطلاق النار مع إسرائيل، من دون أن تفرج الإدارة عن تفاصيل. فيما عُلم أن مستشارين للرئيس قد يكونوا، بوساطة قطر، قد تحدّثوا مع مندوب لـ”الحزب” كان موجوداً في الدوحة. ثمّ لاحقاً، في لقائه مع الرئيس جوزف عون في 21 تمّوز الماضي، قال ترامب إنّه “يتحدّث مع الجميع”، ولا يمانع من حيث المبدأ فتح قنوات مع أطراف مصنّفة إرهابيّة إذا خدم ذلك هدفاً محدّداً. وهو مستعدّ للتحدّث إلى “الحزب” إذا ما طلب منه الرئيس اللبنانيّ ذلك. يضاف إلى “حنان” ترامب موقف لمبعوثه الخاصّ توم بارّاك يضاف إلى “فقاعاته” المثيرة للجدل التي فُهم منها أن لا جدوى من اتّفاق إسرائيليّ مع لبنان من دون وجود “الحزب” وإيران إلى طاولة المفاوضات.

قد يُستهجن أن تقوم واشنطن بالحوار مع منظّمة إرهابيّة، وفق التصنيفات الأميركيّة. لكنّ العقل الأميركيّ لم يتوقّف يوماً عند هذا “التفصيل” من أجل تحقيق Deal. ولا بدّ من استحضار السوابق من منظّمة التحرير الفلسطينيّة قبل أوسلو، مروراً بالجيش الجمهوريّ الإيرلندي قبل اتّفاق الجمعة العظيمة، وليس انتهاء بطالبان في الدوحة، وحتّى “حماس” عبر قنوات قطريّة ومصريّة بعد أكتوبر/تشرين الأوّل 2023. فالتصنيف إرهابيّاً، في التجربة الأميركيّة، لم يكن يوماً عائقاً نهائيّاً حين ترى واشنطن مصلحة في تغيير سلوك الطرف الآخر لا في الاعتراف بشرعيّته.

شروط واشنطن

لكنّ الفارق هذه المرّة أنّ لواشنطن شروطها. لا حوار من أجل الحوار، بل نزع سلاح يفتح الباب إثره فقط. قال السفير “هل لدى “الحزب” ما يقدّمه؟”. يعرف سعادته أنّ “الحزب” جاهز لتقديم الكثير حين يهبط عليه الوحي من طهران. هو نفسه يستنتج أنّ “الحزب” لا يتحدّث إلّا مع إيران على نحو يجوز فيه التساؤل عمّا وراء فكرة يروّج لها الوسطاء لا يستطيعها “الحزب” ولا تقبلها واشنطن إلّا إذا جاء من دون سلاحه.

خرج “الحزب” باجتهاد تصحيحيّ يفسّر فتاوى قماطي بأن ما قصده الرجل عن إعطاء فرصة للمسار السياسيّ كان يعني مسار إسلام آباد وليس مفاوضات لبنان وإسرائيل. صدق قماطي في قصده. فـ”الحزب” يتفاخر بهويّته الإيرانيّة ومكانته داخل جمهوريّة الوليّ الفقيه، وحين يقارب قماطي مسار تسوية لا يعترف بما يقاربه لبنان وحكومته وحتّى شعبه. وإذا ما تشير جلبة التواصل مع واشنطن إلى سقوط المحرّم، فإنّ على هذا “القدر” أن لا يعيد وصل ملفّ لبنان بمسار الحرب في إيران، وأن لا ينال من مكانة الدولة عنواناً وحيداً حصريّاً للبلد.

محمد قواص

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.