شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – عن الصحافة اللبنانية وقانون الإعلام الهجين(2)
أعترف بأنه لا يزال يحز في نفسي ان يكون هذا المجلس النيابي بالذات، قد اقر في العام الميلادي 2026 هكذا قانوناً للإعلام ليصبح بعض بنوده امتداداً لقوانين القرون المنصرمة، واسوأها قاطبةً ان نواباً لبنانيين سمحوا لأنفسهم (بل تجرّأوا) على اقرار مادة تنص على السجن!
اين هم، هؤلاء النواب الأشاوس، من تراثنا الصحافي – الإعلامي المجيد؟! اينهم من النضال المضني الطويل الذي خاضته صحافتنا حتى كرّست ذاتها «السلطة الرابعة»، وحتى هذه لم نقبل بها و»تواضعنا» فقلنا: نحن لسنا سلطة رابعة، فنحن إحدى السلطات الأربع!
هؤلاء النواب، وأيضاً وزارة الإعلام والحكومة مجتمعة، هل بينهم مَن يعلم ان صحافياً (هو خليل الخوري) انشأ في القرن التاسع عشر صحيفة باسم «حديقة الأخبار» كان يصدرها باللغات الثلاث: العربية والفرنسية والعثمانية؟!.
هل يعرفون ان صحافتنا اللبنانية كانت لسان حال الأمة العربية قاطبة.
وهل يدركون ان حرية الرأي، في لبنان، جعلت من صحافتنا منبرا حراً للمناضلين في العالم كله؟ والذين يأخذون عليها انها كانت تنقل مواقف الأنظمة لماذا يتجاهلون انها كانت كذلك منبراً لمعارضي تلك الأنظمة؟!.
وليؤذن لي ان اسرد هذه الرواية التي تبيّن الى اي مدى كانت صحافتنا اللبنانية ذات فعل وحضور وقوة ايضاً في البلدان العربية، وادّعي انني اتحدث بتواضع شديد، وليس من موقع «التشاوف»، انما للتأكيد: عندما كان لي شرف ان اتولى رئاسة تحرير مجلة «الاسبوع العربي» الرائدة تبلّغت ان العدد الأخير يومذاك، قد سُحب من الأسواق في اليمن، وكنا نرفد السوق في «اليمن السعيد» بما لا يقل عن عشرة آلاف نسخة اسبوعياً تنفد من الأسواق فور طرحها لدى الباعة والأكشاك والمكتبات. على الأثر كلفت امانة سري والتحرير تنقيب العدد المصادَر كلمةً كلمة، عساي اجد مبرراً لسحبه من السوق. فلم أجد.
في الاسبوع التالي تكررت المصادرة. وحدث الأمر ذاته في الاسبوع الذي يليه.
عندئذ كان لا بد من الاتصال بوزير الإعلام اليمني معاتباً وسائلاً عن السبب. وأجابني بما لا زلت اعتز به حتى اليوم، إذ قال لي: يا استاذ لم نجد في الأعداد الثلاثة الأخيرة اي شيء عن اليمن، وعندما تصدر «الاسبوع العربي» وليس فيها ذكر لليمن، فهذا يعني اننا لسنا موجودين على الخريطة.
ويا أيها النواب الأشاوس، ويا ايتها الحكومة الجليلة هذا نموذج من العشرات عن دور وأهمية وفاعلية صحافتنا التي نستغرب انكم عبّرتم عن «اعتزازكم» بها بقانون هجين ينص على سجن الإعلاميين.
khalilelkhoury@elshark.com
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.