غازي كنعان: لا صاحب لي في هذا البلد سوى أبي جمال / 2

2

بقلم نقولا ناصيف

«أساس ميديا»

ناقضت الصورة هذه انطباعات غالباً ما لمسها النوّاب المتردّدون عليه، وهي اتّسام علاقته بعبدالحليم خدّام في عقد التسعينيّات، من غير أن يكون رئيسه الإداريّ ولا رئيسه المباشر ولا حفظ له كرئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابيّ تهيّباً، ببعض التردّد والحيطة والتحفّظ. رغماً عنه أحياناً يصحبه رفيق الحريري إلى تمضية أمسيات في بيت نائب الرئيس في بلودان برفقة إيلي الفرزلي وعبدالرحيم مراد وروبير غانم. كان على غازي كنعان في المرحلة تلك أن يكون منفّذاً فحسب لما يُقرَّر في دمشق.

ما كان يسمعه زوّاره اللبنانيّون منه أيضاً في وزارة الداخليّة، في معرض دفاعه عن نفسه، أنّه ربط مصيره، منذ أن بدأ صعوده، ببيت الأسد والرئيسَيْن الأب والابن، دونما أن يخفي شعوراً لديه راح يتأكّد يوماً بعد آخر أنّ أعداء له يحوكون ضدّه لدى الرئيس لإضعافه، وقد تمكّنوا منه.

بعدما غادر حكمت الشهابي دمشق إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة يستشفي هناك من مرض عضال، إلى جانب ابنه الطبيب، أضحى عبدالحليم خدّام صديقه الوحيد من ذاك الرعيل الذي رافق “ملفّ لبنان” قرابة ثلاثة عقود. وحده نائب الرئيس ظلّ في النظام وإن فاقداً كلّ مصادر قوّة منحه إيّاها الرئيس الأب إلى حدّ تعيينه نائباً لرئيس الجمهوريّة عام 1984، أشهراً قليلة بعد تعيين غازي كنعان في لبنان. صار الصديقان القديمان يلتقيان مراراً من غير أن يتنبّها ربّما إلى أنّ أعين النظام تراقبهما وتدبّج تقارير عنهما، أو يلتقطا إشارات انزعاج الرئيس من تواصلهما الدائم. ليست الحرارة وحدها باتت تفتقر إليها علاقته بهما، بل أخذت الشكوك والريبة تشوبها وتعمّق التباين والشرخ.

حين سقط غطاء النّظام

مجمل الأقاويل التي بعثت على الاعتقاد بأنّها وراء مقتله، صبّت في خلاصة وحيدة: خسر غطاء النظام له. لمّح الرئيس السوريّ إلى الاستنتاج هذا من غير تحدّثه عن أسباب انتحار غازي كنعان.

سأله إيلي الفرزلي عندما استقبله بعد سنتين هل تآمر عليه؟ ردَّ بالنفي. ثمّ أضاف: “انتحر لأنّني قاطعته”.

ليس السبب الظاهريّ هذا، على أهمّيّته في نظام هرميّ الإمرة لا يتّسع ولا يحتمل ارتكاب الأخطاء الجسيمة، كافياً لإنهاء حياة غازي كنعان فجأة انتحاراً أو قتلاً. على أثر إصدار مجلس الأمن بغالبيّة تسعة أعضاء القرار 1559 في 2 أيلول 2004 بدعم أميركيّ ـ فرنسيّ، ودعوته القوّات النظاميّة السوريّة إلى مغادرة لبنان فوراً، راجت أخبار عن هدف ضمنيّ توخّاه القرار، هو التخلّص من نظام بشّار الأسد بإسقاطه. حفظ له الرئيس الأميركيّ جورج بوش الابن معارضته احتلاله العراق عام 2003 ومساعدته المقاومة العراقيّة البعثيّة والسنّيّة عبر الحدود المشتركة بين البلدين على شنّ هجمات على الجنود الأميركيّين. كذلك أخذ عليه الرئيس الفرنسيّ جاك شيراك عدم إيفائه بوعوده له بالإصلاح في سوريا وتعزيز الاستثمارات الفرنسيّة فيها، وخصوصاً في النفط. عندما اجتمع رجا صيداوي بالرئيس السوريّ في وقت لاحق على استقباله كولن باول في 3 أيّار 2003، ثمّ إصغاء رجل الأعمال إلى ما سمعه بنفسه من صديقه الوزير الأميركيّ عن نتائج محادثاته في دمشق، لم يتردّد في القول لبشّار الأسد إنّ عليه “بعد اليوم ارتداء البزّة المرقّطة”.

كثُر الكلام عن اجتماعات راحت تعقد في باريس ولندن لمعارضين سوريّين يعملون على قلب النظام. عزّز وجهة النظر هذه مغادرة عبدالحليم خداّم دمشق إلى فرنسا بعد خروجه من القيادة القطريّة لحزب البعث في مؤتمرها العاشر في 10 حزيران 2005، وكانت انقضت أربعة أشهر على اغتيال رفيق الحريري.

من بين ما وصل إلى شعبة المخابرات العسكريّة السوريّة عن الاجتماعات تلك، البحث عن شخصيّة تخلف الرئيس الحاليّ بعد إطاحته، قادرة في الوقت نفسه على استقطاب الجيش والطائفة العلويّة، وهما قبضتا السلطة والأكثر تمدّداً ونفوذاً في شرايين البلاد. ما عنى الحاجة إلى شخصيّة علويّة في وسعها الاضطلاع بهذا الدور، في معرض توجيه شبهة التآمر إلى غازي كنعان على أنّه البديل في لحظة نضوج الظروف. نُظِر إليه على أنّه النموذج الأمثل للاستقطاب والجذب، ذو القدرات الصلبة والتجربة المخضرمة المهابة من جرّاء علاقته الوفيّة بآل الأسد، الأب والابن، وإخلاصه للنظام وانتمائه إلى طائفته، الأقلّيّة المذهبيّة في البلاد لكنّها الحاكمة. في حسبان أصدقائه كما خصومه، كان الرجل ابن النظام واضعاً حياته العسكريّة كلّها في خدمته وفي خدمة البيت الحاكم.

من غير المؤكّد والحاسم أن يكون جزءاً لا يتجزّأ من المحاولة تلك، نظراً إلى التصاقه بنظام عمل فيه قرابة أربعة عقود وائتمر به، ولم يكن ثمّة ما يحتمل إقدامه على الطعن به. على أنّ هذا التقدير لم يعْدُ سوى فرضيّة غير محقّقة، استعان بها القائلون لتبرير اعتقادهم بقتله عمداً.

نقولا ناصيف

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.