أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية والإسلامية / 1
بقلم د. ابراهيم العرب
ليست كل الاعتداءات أحداثاً أمنية عابرة، ولا كل التهديدات رسائل سياسية يمكن تجاوزها بالصمت أو احتواؤها بحسابات المصالح الآنية. فثمة اعتداءات تتجاوز حدود الجغرافيا لتصيب جوهر الاستقرار الإقليمي، وتمتحن قدرة المجتمع الدولي على احترام القانون وصون كرامة الإنسان. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية، ولا سيما عاصمتها الرياض ومنشآتها المدنية والحيوية، تستوجب إدانة واضحة وموقفاً عربياً مسؤولاً، يؤكد أن أمن المملكة وسيادتها وسلامة شعبها ليست موضوعاً للمساومة، ولا مجالاً لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن المملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني في العالمين العربي والإسلامي، ليست مجرد دولة ذات حدود جغرافية، بل ركيزة أساسية في معادلات الاستقرار العربي، وشريك محوري في الجهود الرامية إلى احتواء الأزمات وتعزيز فرص السلام. ولذلك، فإن أي اعتداء يستهدف أراضيها أو يهدد منشآتها المدنية لا يمكن اعتباره شأناً سعودياً فحسب، بل تطوراً يمس أمن المنطقة ومصالح شعوبها، ويهدد قواعد العلاقات التي يفترض أن تقوم على احترام السيادة وحسن الجوار.
الرياض ليست هدفاً مشروعاً للتهديد
إن استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وما رافقه من تهديدات متكررة للمطارات والأجواء السعودية، يضعنا أمام حقيقة لا يجوز أن تحجبها التجاذبات السياسية: المدنيون ليسوا أدوات ضغط، والمنشآت الحيوية ليست ساحات لتبادل الرسائل العسكرية. فالمطار ليس مجرد مدرجات للطائرات وصالات للمغادرة والوصول؛ إنه شريان يربط المجتمعات، ويؤمّن حركة الأفراد والتجارة، ويسهم في استمرار النشاط الاقتصادي والإنساني. واستهدافه يعرّض حياة المسافرين والعاملين للخطر، ويهدد سلامة الطيران المدني، ويقوّض الثقة بأمن المرافق التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن النزاعات المسلحة.
إن خطورة هذه الاعتداءات لا تُقاس بحجم الأضرار المادية وحده، بل بما تكشفه من استخفاف بحياة الأبرياء وبالقواعد الدولية التي تحمي المدنيين والأعيان المدنية. فلا الشعارات السياسية تبرر الاعتداء على الأبرياء، ولا الادعاءات العسكرية تمنح أي طرف حق تحويل المنشآت المدنية إلى أهداف.
ومن هنا، فإن إدانة الاعتداءات الحوثية على المملكة ليست انحيازاً أعمى إلى طرف في نزاع سياسي، بل دفاع عن مبدأ أساسي: لا يجوز تهديد سيادة الدول أو تعريض المدنيين للخطر سعياً إلى فرض الإرادات السياسية والعسكرية.
لبنان والمملكة: تضامن يتجاوز الحسابات السياسية
لقد عكست المواقف اللبنانية الرافضة للاعتداءات إدراكاً لأهمية العلاقة التاريخية التي تجمع لبنان بالمملكة العربية السعودية، ولما تمثله هذه العلاقة من رصيد سياسي وإنساني واقتصادي يتجاوز المصالح الظرفية. فقد أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها، مشدداً على تضامن لبنان معها في مواجهة كل ما يمس سيادتها وسلامة أراضيها ومنشآتها الحيوية. كما اعتبر رئيس الحكومة القاضي نواف سلام أن التهديدات الحوثية باستهداف المطارات والأجواء السعودية تقوّض أمن المنطقة بأسرها، مؤكداً وقوف الدولة اللبنانية إلى جانب المملكة في الإجراءات التي تتخذها دفاعاً عن نفسها وحماية لشعبها وسيادتها.
وفي موقف يعكس عمق الروابط الأخوية، شدّد رئيس الحكومة السابق تمام بك سلام على أن المملكة تمثّل للّبنانيين بلداً للعز والخير، مذكّراً بما وفرته السعودية وسائر دول الخليج لمئات الآلاف من اللبنانيين من فرص العمل والحياة الكريمة، فضلاً عن دعمها للبنان في محطات صعبة من تاريخه. فالمملكة كانت عنواناً للاعتدال العربي، داعياً إلى مؤازرتها في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها واستقرارها.
إن أهمية هذه المواقف لا تكمن في تعدد أصحابها فحسب، بل في تقاطعها عند مبدأ وطني وعربي جامع: أن العلاقات اللبنانية السعودية ليست علاقة عابرة تحكمها الظروف، بل علاقة متجذرة في التاريخ والمصالح المشتركة والروابط الإنسانية.
ولبنان، الذي عانى طويلاً من تداعيات الصراعات الإقليمية، يعرف أن التغاضي عن الاعتداء على دولة عربية لا يحصّن الدول الأخرى من الخطر. ومن هنا، ينبغي أن يكون التضامن مع المملكة موقفاً وطنياً ثابتاً، بعيداً عن المزايدات الحزبية، وانطلاقاً من مصلحة لبنان في إقامة علاقات متينة مع أشقائه، واحترام سيادة الدول ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات.
أمن السعودية من أمن الخليج والمنطقة
لقد أكدت مواقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب إدانات الكويت وقطر والبحرين والأردن، رفض الاعتداءات التي تستهدف المنشآت المدنية السعودية، وشدّدت على أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن المنظومة الخليجية واستقرارها.
وهذا الموقف لا يعبر عن التضامن السياسي وحده، بل عن إدراك واقعي لترابط المصالح والأمن في المنطقة. فاستهداف المطارات والمنشآت الحيوية يهدّد حركة الطيران والتجارة والاستثمار، ويعرّض حياة الملايين لمخاطر لا تتوقف عند حدود الدولة المستهدفة.
ولا يعني التضامن العربي التطابق في جميع المواقف السياسية، لكنه يقتضي الاتفاق على مبادئ لا يجوز تجاوزها: احترام السيادة، ورفض استهداف المدنيين، وصون المنشآت الحيوية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
ومن هنا، لا بد من الانتقال من بيانات الإدانة إلى تحرك عربي ودولي أكثر فاعلية، يقوم على التنسيق الدبلوماسي، وتعزيز حماية المنشآت المدنية، ودعم التحقيقات الموثوقة، ومساءلة المسؤولين عن الاعتداءات وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
القانون الدولي وضرورة المساءلة
من الناحية القانونية، يكرّس القانون الدولي الإنساني مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ويحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية بصفتهم تلك، كما يفرض قواعد التناسب والاحتياطات الواجبة في الهجمات، وفقاً لطبيعة النزاع والظروف المحيطة به.
يتبع غداً
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.