فحيلي “للشرق” قانون اصلاح المصارف لا يمكن بمفرده حل أزمة القطاع المصرفي والثقة بالقطاع المالي لا تستعاد بمجرد نصوص قانونية

الإصلاح أولاً والاتفاق لاحقا نتائج الزيارة الأخيرة لصندوق النقد

2

كتبت ريتا شمعون
في الأول من تشرين الأول 2026 أعلنت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك في مؤتمر صحافي في واشنطن، أن أي اتفاق جديد مع لبنان يتوقف على ثلاثة أمور: دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، وإقرار تشريعات ملائمة للفجوة المالية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وأعداد موازنة 2027 مع إطار مالي متوسط الأجل يراعي استدامة الدين.
وبعد أن أعلنت بعثة الصندوق ترحيبها بتعديلات قانون المصارف عند ختام زيارتها لبيروت في 18 أيلول 2026، قدّم رئيس الجمهورية جوزف عون طعنا جزئيا امام المجلس الدستوري في المادة الثالثة من القانون المعدل، استنادا الى تعارضها مع قانون النقد والتسليف.
يعد لبنان في الوقت الحالي مطالبا بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الرئيسية وتطبيق شروط صندوق النقد الدولي كشرط مسبق والزامي للتوصل الى اتفاق دعم مالي نهائي، وهذا يعني ان الإصلاح أولاً والاتفاق لاحقا.
لبنان قادر تقنيا وقانونيا على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، لكنه غير قادر سياسيا وواقعيا في ظل الانقسامات الراهنة على تطبيقها، ما يبقيه خارج أي برنامج إنقاذ مالي شامل.
الخبير المصرفي الدكتور محمد فحيلي، باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الاعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) يوضح في حديث لجريدة ” الشرق” أن صندوق النقد الدولي يؤكد باستمرار في مفاوضاته مع السلطات اللبنانية على ضرورة الابتعاد عن الوعود غير الواقعية، ويركز بدلاً من ذلك على تطبيق إجراءات عملية وخطوات قابلة للتنفيذ كشرط أساسي لإبرام أي اتفاق نهائي، مشيرا الى ان محدودية إمكانات الدولة اللبنانية هي حقيقة قائمة وموثقة في كافة تقارير صندوق النقد الدولي، وكذلك أصبحت إمكانات القطاع المصرفي في لبنان محدودة للغاية.
ويضيف فحيلي، منذ بداية الانهيار المالي كان موقف الصندوق واضحا وحاسما، لا أموال ولا حزم إنقاذ بدون إصلاحات بنوية جذرية وضمانات لقدرة الدولة على سداد الديون، متخوفا الصندوق من ان تؤدي النقاشات الدائرة حول قانون الفجوة المالية الى تفاقم الازمة الاجتماعية والاقتصادية في لبنان .
والحديث عن مشروع موازنة العام 2027، يؤكد فحيلي، أنه لا يمكن لمشروع الموازنة أن يعكس عجزاً صفريا حقيقيا وواقعيا إذا تم تغييب ثلاثة عناصر أساسية: حصة الدولة من الفجوة المالية، إعادة هيكلة الدين العام، وكلفة إعادة الاعمار بالإضافة الى العبء الضريبي الذي سيؤدي الى ضغوط إضافية على القدرة الشرائية للمواطنين التي تعمق الهوة الاجتماعية والانكماش الاقتصادي.
وتوقف فحيلي، عند المفارقة التشريعية، حيث ربط المشرع اللبناني قانون إصلاح المصارف بقانون الانتظام المالي ( الذي يعالج الفجوة المالية وتوزيع الخسائر) لضرورات تقنية وقانونية متشابكة، لافتا في هذا السياق، الى ان قانون إصلاح المصارف وتعديلاته، لا يكفي بمفرده لحل ازمة القطاع المصرفي ما لم يترافق مع معالجة حقيقية لأزمة الودائع والفجوة المالية وإعادة بناء الثقة.
ووفقا لرؤية قانون إصلاح المصارف الجديد، يرتكز في جوهره على مبدأ تقييم كل مصرف على حدة لتصنيفه بناء على ملاءته المادية وقدرته على الاستمرار أو عدمه، والتعامل مع كل مصرف بناء على نتيجة التدقيق والتقييم لأصوله وموجوداته الحقيقية ليتم تحديد مساره في هذه المرحلة الاقتصادية التي يمر بها لبنان.
في هذه الحالة، سوف يتم توجيه أسئلة للمصرف حول أموال المودعين، على سبيل المثال، كيف ومتى تستطيع سداد أموال المودعين؟ ما هي نسبة السيولة الحالية لديك؟ كيف تضمن تلبية طلبات السحب النقدية اليومية للمودعين دون أي تأخير أو قيود؟ وهل يمتلك المصرف كفاية رأس مال تتوافق مع المعايير الدولية؟
في المقابل، هل تستعد مكونات المجتمع اللبناني لتجديد الثقة بإدارة المصارف وايداع مدخراتهم لديها؟ وهل أصحاب مجالس الإدارات والمساهمين الكبار الذين اداروا المصارف خلال فترة الانهيار هم أنفسهم ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم، على الرغم من إقرار مجلس النواب التعديلات على قانون اصلاح المصارف؟
في أي حال، أن هذه القوانين لا تزال محور نقاشات وملاحظات من صندوق النقد الدولي، مشيرا الى ان الثقة بالقطاع المالي لا تستعاد بمجرد نصوص قانونية .
ويعتبر فحيلي، أن نتائج زيارة بعثة صندوق النقد الدولي الأخيرة الى لبنان ( التي عقدت بين 15 و18 أيلول 2026) مؤشرا على ضرورة تسريع الإصلاحات حيث تركزت النقاشات بشكل ” أساسي” على قانون ” الفجوة المالية” واستمرار العمل على آلية لإعادة الودائع، وشدّد الصندوق على ضرورة احترام ترتيب أولوية المطالبات المالية في لبنان، ورفض أي محاولة لتحميل المودعين الخسائر قبل المساهمين والدائنين الثانويين في القطاع المصرفي.
أما بالنسبة لموضوع إصلاح المصارف، يصرّ صندوق النقد على ان يكون إصلاح القطاع المصرفي في لبنان مستداماً ومبنيا على المعايير الدولية، وذلك لقطع الطريق على الحلول التقليدية التي اعتادت عليها السلطة السياسية والمالية لتأجيل خطط الإنقاذ.
بالتوازي طلب صندوق النقد استكمال التدقيق الجنائي في المصارف التجارية الخاصة ( أكبر 14 مصرفا تجاريا) ، ويؤيد الصندوق زيادة ضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 2% لتصبح 12% بدلا من 10% بموجب قانون لتعزيز إيرادات الدولة المالية وتمويل النفقات العامة والرواتب والتقديمات الاجتماعية، لكنه يرى في المقابل وبشكل حاسم عدم تعديل رواتب القطاع العام أو زيادة الأجور والمعاشات التقاعدية دون تامين مصادر تمويل وايرادات تعويضية واضحة ومستدامة.
كما وجّه صندوق النقد وفق فحيلي، دعوة صريحة للسلطات اللبنانية بضرورة تسجيل وإدراج كافة النفقات بشكل تفصيلي ضمن مشروع موازنة العام 2027 ، وحث الصندوق السلطات اللبنانية وبشكل رسمي على إعطاء الأولوية لدعم النازحين داخليا جراء الحرب، وإتاحة حيز مالي كاف للإنفاق الرأسمالي للمساعدة في تحفيز الاقتصاد.
أما لبنان الرسمي، يؤكد فحيلي، أن الحكومة اللبنانية اليوم تواجه وضعا اقتصاديا وماليا حرجا، حيث تضيق الخيارات المتاحة نتيجة تداخل الأزمات الهيكلية مع التوترات الجيوسياسية والأمنية المستجدة مما رتبت أعباء إغاثية وهائلة على خزينة الدولة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.