فرنسا من أزمة المعيشة إلى أزمة الثقة بالدولة / 2
بقلم د. ابراهيم العرب
وعندما تجتمع هذه العوامل، لا يعود الاحتجاج مجرد مطالبة بتحسين ظروف الدراسة، بل يصبح تعبيراً عن الخوف من مستقبل لا تبدو فرصه متساوية للجميع.
ثالثاً: عودة السترات الصفراء واتساع رقعة الغضب
إن انضمام طلاب وناشطين اجتماعيين ومناصري البيئة وأفراد من حركة «السترات الصفراء» إلى التحركات يعكس تلاقي مظالم مختلفة تحت عنوان مشترك هو الاعتراض على تراجع شروط العيش والشعور بالتهميش. وليس ضرورياً أن تتطابق مطالب هؤلاء جميعاً حتى تتقاطع تحركاتهم؛ إذ يكفي أن يجد كل طرف في الشارع مساحة للتعبير عن إحباط تراكم على مدى سنوات.
ومن هنا، تبرز خطورة اتساع الاحتجاجات خارج إطارها الأول. فالمطالب التعليمية قد تتحول إلى جزء من حركة اجتماعية أوسع، تتناول الإنفاق العام، والضرائب، وتكاليف المعيشة، والسياسات الحكومية، وتوزيع الأعباء بين الفئات الاجتماعية. وقد شهدت مدن فرنسية، بينها باريس وليون ومرسيليا، مواجهات وأعمال تخريب واستهدافاً لمرافق عامة ومبانٍ ومؤسسات إعلامية، بالتوازي مع توقيفات وانتشار أمني كثيف. وهذه الوقائع لا يجوز التقليل من خطورتها؛ فالاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة لا يخدم المطالب المشروعة، بل قد يضعف التعاطف الشعبي معها، ويمنح السلطات مبرراً لتقديم الأزمة بوصفها مسألة أمنية حصراً.
لكن الخطأ المقابل هو التعامل مع جميع المحتجين باعتبارهم كتلة واحدة مسؤولة عن أعمال العنف. فالمتظاهر السلمي الذي يطالب بمدرسة أفضل أو بقدرة شرائية تحفظ كرامته لا يجوز أن يُساوى بمن يرتكب التخريب أو يعتدي على الآخرين. والتمييز بين الطرفين ليس تفصيلاً إجرائياً، بل شرط أساسي لحماية الحق في الاحتجاج وصون النظام العام في آن واحد.
رابعاً: المواجهة الأمنية واختبار دولة القانون
أعادت الإصابات الخطيرة التي تعرض لها بعض المتظاهرين، والاتهامات الموجهة إلى عناصر من الشرطة باستخدام القوة المفرطة، فتح النقاش حول حدود التدخل الأمني في فرنسا. فالدولة الديمقراطية لا تُقاس قدرتها على فرض النظام بحجم القوة التي تستخدمها، بل بمدى التزامها بالقانون، وتناسب إجراءاتها مع طبيعة الخطر، واحترامها للحقوق والحريات الأساسية. ولا شك في أن الشرطة تتحمل مسؤولية حماية الأشخاص والممتلكات، والتصدي لأعمال العنف والتخريب. غير أن هذه المسؤولية لا تمنحها سلطة مطلقة، ولا تعفيها من الرقابة والمساءلة. فحين يتعلق الأمر بطلاب قاصرين، تصبح ضرورة التناسب في استخدام القوة أكثر إلحاحاً، ويغدو واجب الدولة في حماية سلامتهم جزءاً لا يتجزأ من مسؤوليتها الأمنية.
وقد أثارت الانتقادات الحقوقية بشأن التعامل مع بعض الاحتجاجات، وما رافقها من تحقيقات في مزاعم تجاوزات أمنية، تساؤلات حول فعالية آليات المحاسبة واستقلاليتها. وإذا ثبت وقوع انتهاكات، فإن معالجتها لا تكون بالتبرير السياسي أو بالتستر المؤسسي، بل بتحقيقات جدية وشفافة تفضي إلى تحديد المسؤوليات. فالمساءلة لا تضعف الدولة، وإنما تعزز شرعيتها وثقة المواطنين بمؤسساتها.
وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول الحق في التظاهر إلى ذريعة لتبرير الاعتداء على عناصر الأمن أو تخريب الممتلكات. فالديمقراطية تقوم على معادلة متوازنة: حماية الحريات من جهة، وصون حقوق الآخرين والنظام العام من جهة أخرى. وأي إخلال بأحد طرفي هذه المعادلة يهدد الأساس الذي تستند إليه الدولة القانونية.
خامساً: الاحتجاجات في مرآة الصراع السياسي
لم تبقَ التحركات خارج دائرة التنافس الحزبي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي. فقد اتهمت الحكومة وحلفاؤها حزب «فرنسا الأبية» باستثمار المطالب الطلابية وتأجيج الاضطرابات، بينما أكد الحزب دعمه للاحتجاجات ورفض الاتهامات الموجهة إليه. كما دخلت قوى سياسية أخرى على خط المواجهة، مستفيدة من الأزمة لتثبيت مواقفها بشأن الأمن والهجرة والنظام العام والسياسات الاقتصادية.
ولا يمكن إنكار أن الاحتجاجات الواسعة تفتح المجال أمام الأحزاب لتوسيع حضورها الشعبي، وأن بعض القوى قد تسعى إلى توظيف الغضب الاجتماعي في معركتها الانتخابية. لكن اختزال التحركات في حسابات حزب أو مرشح ينطوي على تبسيط مخلّ؛ إذ إن وجود استثمار سياسي للأزمة لا يعني أن أسبابها الاجتماعية مصطنعة، كما أن مشروعية المطالب لا تمنح أي حزب حق احتكار تمثيل المحتجين أو التحدث باسمهم جميعاً.
والأخطر أن يتحول النقاش العام من معالجة أسباب الغضب إلى تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنه. فالحكومة التي تكتفي بإدانة المعارضة لا تقدم حلاً لنقص المدرسين أو ارتفاع تكاليف المعيشة، والمعارضة التي تكتفي بتوسيع دائرة الاعتراض لا تثبت، بمجرد ذلك، قدرتها على تقديم بدائل قابلة للتنفيذ. أما المواطن، فيبقى عالقاً بين خطابين سياسيين، بينما ينتظر تحسناً ملموساً في حياته اليومية.
ختاماً، تكشف الاحتجاجات الفرنسية عن أزمة تتجاوز حدود الأسعار والمدارس والمواجهات الأمنية، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الدولة الحديثة على الوفاء بوعودها الاجتماعية. فحين يشعر الشاب بأن المدرسة لا توفر له تعليماً متكافئاً، وأن الطريق إلى الجامعة محفوف بالقلق وعدم اليقين، وأن تكاليف الحياة تتزايد بينما تتراجع فرص الاستقرار، يصبح الاحتجاج تعبيراً عن أزمة ثقة لا تكفي الإجراءات الأمنية لمعالجتها.
إن التحدي الحقيقي أمام السلطات الفرنسية ليس استعادة الهدوء في الشوارع فحسب، بل استعادة الاقتناع بأن المؤسسات العامة قادرة على الإنصاف، وأن القانون يحمي الجميع، وأن التضحيات الاقتصادية لا تُفرض على الفئات الأضعف وحدها. ويتطلب ذلك إصلاحاً فعلياً للخدمات العامة، وسياسات أكثر عدالة في توزيع الأعباء، واستثماراً جاداً في التعليم، إلى جانب محاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون، سواء أكان متظاهراً أم عنصراً أمنياً.
لقد علمت التجربة الفرنسية، منذ حركة السترات الصفراء، أن تجاهل المطالب الاجتماعية لا يؤدي بالضرورة إلى انحسارها، بل قد يمنحها أسباباً إضافية للتجذر والاتساع. ومن ثم، فإن الاحتجاجات الراهنة تمثل اختباراً سياسياً وأخلاقياً لمؤسسات الجمهورية: فإما أن تتعامل معها باعتبارها فرصة لمراجعة السياسات وتصحيح الاختلالات، وإما أن تحصرها في إطار أمني ضيق، فتؤجل الانفجار من دون أن تعالج أسبابه. وفي نهاية المطاف، لا تستعيد الدولة ثقة مواطنيها بمجرد فرض النظام، بل حين يشعر هؤلاء بأن النظام نفسه يعمل لمصلحتهم، ويحفظ كرامتهم، ويمنح أبناءهم فرصة عادلة لبناء مستقبلهم. وهذه هي المسألة التي تختبرها فرنسا اليوم، وهي أيضاً المعيار الذي ستُقاس به قدرتها على تجاوز الأزمة وصون تماسكها الاجتماعي والديمقراطي.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.