في مئوية الدستور اللبناني: أهمية استكمال تطبيق الطائف
بقلم د. ابراهيم العرب
يعتبر الدستور اللبناني، الذي صدر في 23 أيار 1926، نقطة انطلاق أساسية في تاريخ لبنان الحديث، ويمكن اعتباره المحطة الدستورية الثانية الأهم بعد إعلان دولة لبنان الكبير في عام 1920. لم يكن الدستور مجرد وثيقة قانونية تنظم السلطات وتحدد الحقوق والواجبات، بل كان تجسيدًا لرؤية مبكرة لبناء كيان سياسي ودولة مؤسسات في مجتمع متنوع الطوائف والانتماءات الثقافية.
منذ صدوره، كان الدستور اللبناني موضوع نقاش مستمر بين اتجاهين. أحدهما يجد فيه نصًا متقدمًا مقارنةً بالبيئة السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها، بينما الآخر يعتبره إطارًا دستوريًا لم يُكتمل بسبب طبيعة النظام السياسي الطائفي في لبنان. وهذا النص، رغم أهميته، يحتاج إلى إرادة سياسية جماعية وثقافة دستورية تحترم المؤسسات وتخضع منطق السلطة للقانون لبناء دولة حديثة.
وفي هذا السياق، أسّس الميثاق الوطني عام 1943 توازنًا سياسيًا غير مكتوب بين مكونات المجتمع اللبناني، وخلق قاعدة للتعايش بين المسلمين والمسيحيين. ومع الوقت، تم تطوير عرف سياسي توفيقي من خلال الممارسة، حتى أصبح جزءًا رئيسيًا من النظام السياسي، بما في ذلك توزيع الرئاسات وتشكيل الحكومات وإدارة التوازنات الطائفية داخل المؤسسات.
ومع ذلك، تحول هذا العرف، رغم دوره في تحقيق نوع من الاستقرار، في العديد من الأحيان من ضمانة للتوازن إلى وسيلة لتعطيل المؤسسات، ومن صيغة للتعايش إلى مدخل للمحاصصة. وهكذا تبرز الإشكالية اللبنانية المستمرة: كيف نوفق بين متطلبات الشراكة الوطنية والدولة الحديثة؟ وكيف نحمي التعددية دون أن تتحول إلى نظام حصص يعطل مفهوم المواطنة ويضعف سيادة القانون؟
بدايةً، لقد أدى اندلاع الحرب اللبنانية وما رافقها من تدهور في مؤسسات الدولة إلى إعادة النظر في المسألة الدستورية. ومن هنا، وُلدت وثيقة الوفاق الوطني المقرّة في الطائف عام 1989، التي أدت إلى تعديلات دستور 1990 كخطوة نحو إعادة بناء النظام السياسي اللبناني بشكل أكثر توازنًا وملاءمة لطبيعة النظام البرلماني الديمقراطي. حيث جلب اتفاق الطائف تعديلات جوهرية على الدستور، فأعاد تنظيم السلطات الدستورية، ونقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء، وحدّد صلاحيات المؤسّسات بشكل أوضح، مع تعزيزه لمبدأ الفصل بين السلطات وعدم تعارضها. كما أكد على احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، وارتباط لبنان العربي، ونهاية الكيان اللبناني وطابعه الديمقراطي البرلماني.
كما أنّ واحدة من أبرز التعديلات، كانت تعديل المادة 95 من الدستور، والتي نصت على أن يتخذ مجلس النواب الخطوات اللازمة لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، ويتكون من هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. وبحيث تتولى هذه الهيئة دراسة واقتراح الطرق اللازمة للإلغاء السياسي الطائفي وتقديمها لمجلس النواب ومتابعة تنفيذ الخطة.
ومع ذلك، تكمن المفارقة المؤلمة في أنه بعد سبعة وثلاثين عامًا من إقرار وثيقة الوفاق الوطني، لم تتحقق معظم الإصلاحات الجوهرية التي أوصت بها الطائف. فظلّت البنود الإصلاحية الأساسية معطلة، وأهمها إنشاء مجلس الشيوخ، وإقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وتعزيز استقلال القضاء.
كما ظل اتفاق الطائف، في جوانب كثيرة، نصًا دستوريًا غير مكتمل التطبيق. وما تم تطبيقه جاء في أحيان كثيرة بشكل انتقائي، مما أضعف روحه الإصلاحية وجعله مادة خلافية بدلًا من أن يكون قاعدة وفاق. فبدلًا من أن يُسهم اتفاق الطائف في الانتقال التدريجي من دولة الطوائف إلى دولة المواطنين، تم استخدامه في كثير من الأحيان لدعم نظام المحاصصة، مما حول المؤسسات إلى ساحات لتوزيع النفوذ والمصالح بدلًا من إدارة الصالح العام.
ومن المهم التفريق هنا بين اتفاق الطائف كنص إصلاحي والطائف كممارسة سياسية مشوهة. فالمشكلة ليست في جوهر وثيقة الوفاق الوطني بقدر ما هي في عدم استكمال تنفيذها، والتعامل معها كحل ظرفي لوقف الحرب وليس كخريطة طريق لبناء دولة قوية. فقد أوقف اتفاق الطائف الحرب، لكنه لم يُستكمل بشكل كافٍ للبناء على السلام الدستوري والسياسي والاجتماعي، وهذه الثغرة الكبرى التي لا يزال لبنان يدفع ثمنها.
فضلاً عن ذلك، فإن نظام المحاصصة الذي استقر بعد الحرب لم يُنتج استقرارًا حقيقيًا، بل أدى إلى دولة ضعيفة، وإدارة غير فعالة، واقتصاد متهالك، ومؤسسات عرضة للتعطيل. فالفساد، والبطالة، والركود، وانهيار الخدمات العامة، وفقدان الثقة بين المواطن والدولة كلها نتائج مباشرة أو غير مباشرة لنظام المحاصصة الذي جعل الولاء للطائفة أو الزعيم أقوى من الولاء للدستور.
لذا، تحمل مئوية الدستور اللبناني دلالات خاصة. ذلك أنها ليست مجرد مناسبة احتفالية، بل هي لحظة وطنية للعودة إلى السؤال الأجدر بالنقاش: أي نوع من الدولة نريد؟ هل نسعى لبناء دولة دستورية حديثة ترتكز على قيم المواطنة والمساواة؟ أم نستمر في إدارة الأزمات بتسويات مؤقتة تؤجل الانفجار دون معالجة الأسباب الحقيقية؟
من جهتنا، فإننا نرى أنه رغم ما تعرّض له الدستور اللبناني من تعطيل وتأويل انتقائي، يبقى القاعدة الصلبة لأي مشروع نهوض سياسي ومؤسساتي. فهو الضامن للحريات الفردية والجماعية، والمصدر الذي يجب أن تلتزم به جميع القوانين. وهو الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم، وينظم علاقة المواطن بالسلطة، ويدعم الحقوق والواجبات، ويحمي حرية الرأي والمعتقد.
ولبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، وفقًا لدستوره، ويجب أن تُحترم الحريات العامة فيه، وعلى رأسها حرية الرأي والمعتقد، وأيضًا العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين دون تمييز. إلا أن هذه المبادئ لا تتحول إلى واقع بمجرد ذكرها في النصوص، بل تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وإدارة شفافة، وثقافة سياسية تستند إلى الدستور لا إلى موازين القوى. في هذا الإطار تأتي دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لإحياء الذكرى المئوية للدستور بأهمية وطنية وتربوية كبيرة. فهي ليست مجرد احتفال رمزي، بل دعوة إلى المواطنين، وإلى المؤسسات العامة والخاصة، لتنظيم مؤتمرات وندوات تهدف لتعريف الجيل الجديد بالمبادئ الدستورية وبآليات عمل المؤسسات الديمقراطية.
والأجيال الجديدة، التي نشأت في ظل أزمات متتالية، تحتاج إلى إعادة ربطها بفكرة الدولة وبمعنى الدستور وقيمة المواطنة. فالثقافة الدستورية ليست ترفًا أكاديميًا، بل ضرورية لبناء الدولة. والمواطن الذي يعرف حقوقه وواجباته ويدرك حدود السلطة ويؤمن بالمؤسسات يصبح جزءًا من حماية النظام الديمقراطي. وبالتالي، يتوجب أن يكون المدخل العملي لإحياء المئوية الدستورية بإنشاء خريطة طريق لاستكمال تطبيق اتفاق الطائف، خصوصًا تلك البنود التي لا تزال معلّقة منذ عام 1990. وفي مقدمة هذه البنود يأتي الانتقال إلى نظام مجلسين كما تنص عليه المادة 22 من الدستور.
حيث تنص المادة 22 بوضوح على أنه، مع انتخاب أول مجلس نواب على أسس وطنية لا طائفية، سيتم إنشاء مجلس للشيوخ يمثل جميع العائلات الروحية، وستقتصر صلاحياته على القضايا المصيرية. وهذا النص ليس مجرد تفصيل تقني، بل يعد أحد أعمدة التسوية الدستورية التي جاء بها الطائف. كونه يهدف إلى معالجة الهواجس الطائفية دون أن يعيق مجلس النواب في تمثيله الوطني.
وإن إنشاء مجلس الشيوخ ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو خطوة أساسية لإعادة تنظيم العلاقة بين الطائفة والدولة. بدلاً من بقاء الطائفية مسيطرة على كل المؤسسات، حيث يمكن تخصيص تمثيل الهواجس الطائفية في مجلس الشيوخ، مما يمنح مجلس النواب فرصة لكي يصبح مؤسسة وطنية تمثّل المواطنين بدلًا من الطوائف. وبذلك يتحول لبنان تدريجيًا من مفهوم المشاركة الطائفية إلى مفهوم المشاركة المواطنية. لكن هذا الانتقال يتطلب إرادة سياسية واضحة وشجاعة. فلا يمكن إنشاء مجلس الشيوخ دون توافق على صلاحياته وكيفية تشكيله ونوع القضايا المصيرية التي يتولاها. وفي الوقت نفسه، يتطلب تحرير مجلس النواب من القيد الطائفي سن قانون انتخاب عادل يضمن التمثيل الصحيح ويشجع الحياة السياسية العابرة للطوائف.
من هنا، يمكن أن تكون الانتخابات النيابية المقبلة فرصة حقيقية للتوجه نحو استكمال تطبيق اتفاق الطائف. ولكن يتعين أن لا تكون الانتخابات مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها أو لتأكيد الاصطفافات الطائفية، بل ينبغي أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء الشرعية الشعبية على أسس وطنية إصلاحية. وأبرز ما يجب العمل عليه اليوم هو إقرار النصوص التشريعية اللازمة لإنشاء مجلس الشيوخ، وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وفتح نقاش هادئ حول قانون انتخاب خارج القيد الطائفي. والمسألة لا تحتمل التأجيل، لأن استمرار النظام الحالي بصيغته المعطلة يعني استمرار الأزمات ذاتها وقد يؤدي إلى تفاقمها.
وعليه، إن استكمال تطبيق اتفاق الطائف لا يعني العودة إلى الماضي، بل إعادة إحياء الفكرة الأصلية التي قام عليها: بناء دولة تنظم فيها الحياة العامة وفق قواعد واضحة، تقوم على علاقة مباشرة بين المواطن والدولة، وليس بين المواطن وزعيم الطائفة. فالدولة العادلة لا تلغي التعددية، بل تنظمها ضمن إطار دستوري شامل. والدولة القوية لا تعادي الطوائف، بل تحول دون أن تصبح بديلاً عن المؤسسات.
وفي الختام، يجب أن تمثل مئوية الدستور اللبناني فرصة لإعادة الاعتبار له، ليس كوثيقة جامدة، بل كعقد وطني حي. والأولوية الآن ليست في استحداث مغامرات دستورية جديدة ولا في إنتاج صيغ تزيد الانقسام. وإنما في التركيز على استكمال تنفيذ اتفاق الطائف بكل روح إصلاحية خاصة به، بما في ذلك إنشاء مجلس الشيوخ، وإنهاء القيود الطائفية في مجلس النواب، وتعزيز مفهوم المواطنة كمبدأ أساسي للحياة السياسية. فلبنان لا يحتاج إلى دستور جديد بل إلى احترام دستوره الحالي، ولا يحتاج إلى تسويات مؤقتة بل إلى تطبيق الالتزامات التي تعهد بها اللبنانيون في وثيقة الوفاق الوطني. وإن المئوية الأولى للدستور ليست خاتمة لقرن من النصوص، بل بداية امتحان وطني جديد، ولكن هل يمكن للبنانيين الانتقال من دولة التوازنات الهشة إلى دولة المؤسسات؟ ومن منطق المحاصصة إلى منطق المواطنة؟ ومن شرعية الطائفة إلى شرعية الدستور؟ وهذا هو تحدي العصر، وهذه هي الأولوية: الابتداء باستكمال تطبيق الطائف كمدخل واضح لبناء الدولة اللبنانية الحديثة، دولة القانون والمواطنة والمؤسسات.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.