لماذا الحرب ضرورة لنتنياهو؟

3

بقلم محمد السماك
«أساس ميديا»
بعد اللقاءات الأميركيّة – الإيرانيّة في باكستان، ترتفع في إسرائيل علامة استفهام كبيرة عن المستقبل السياسيّ لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. لقد وُجّهت إليه ستّة اتّهامات، منها الرشوة وسوء الأمانة والفساد. لم يستطع نتنياهو أن يثبت براءته، ولم يستطع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حمل الرئيس الإسرائيليّ على إصدار قانون خاصّ للعفو عنه. لقد هدّد القضاة بالاستقالة من مناصبهم إذا صدر مثل هذا القانون. وجد الرئيس الإسرائيليّ نفسه محشوراً في زاوية ضيّقة. إذا استجاب لتمنّيات الرئيس الأميركيّ، سوف تنقضّ عليه السلطة القضائيّة ومعها الرأي العامّ. آثر اللجوء إلى أهون الشرّين، وهو السكوت على الوضع على أمل أن تطرح نتائج الحرب على إيران، بعد الحرب على غزّة، وقائع جديدة تفتح أبواباً مغلقة للحلّ.
أوقف الأميركيّون الحرب في غزة، وعقدوا هدنة لوقف الحرب مع إيران، لكنّ ذلك لم يكن كافياً لطيّ صفحة محاكمة نتنياهو. الرجل متّهم بالرشوة المتكرّرة وبإصدار قرارات حكوميّة على قاعدة هذه الرشوة، والأدلّة على ذلك متوافرة وموثّقة. لقد عمل نتنياهو على تجاوز قوانين استجابةً لمصالح شركات غمرته بالرشوة، وتتعلّق تلك القوانين بالضرائب العامّة.
من بيروت إلى بغداد؟
اعترف محامو نتنياهو بأنّه حصل فعلاً على بعض الهدايا (؟)، وكذلك زوجته، إلّا أنّ المحاولة التي قام بها لتغيير القوانين لم تكتمل، خاصّة بعدما خرجت محاولاته إلى العلن. وجد القضاء في إسرائيل في اعترافاته أدلّة جديدة تؤكّد صحّة التهم الموجّهة إليه. تمسّك بقرار محاكمته، والتفّ الرأي العامّ حول هذا القرار. مع ذلك، نجح نتنياهو في الالتفاف حول قرار المحكمة، أوّلاً بشنّ الحرب على غزّة، ثمّ بإعلان الحرب على إيران. لكن تأجّلت المحاكمة لأنّه لا تُعقل محاكمة رئيس حكومة عن الرشوة خلال الحرب. أمّا الآن، وبعدما دُمّرت غزّة عن بكرة أبيها، وإذا توقّفت الحرب على إيران، فماذا سيفعل نتنياهو للالتفاف على إصرار القضاء على محاكمته؟.. هل يفتح جبهة ثالثة؟ وهل يكون لبنان تلك الجبهة؟ وهل يشكّل العدوان على بيروت مؤشّراً إلى ذلك؟
يوحي قصف بيروت بنوايا نتنياهو، فهو تحت مظلّة العمل على تصفية “الحزب” يختلق فرصة لفرض حالة تبرّر على الأقلّ تأجيل محاكمته مرّة أخرى. ثمّ إنّ هناك الجبهة العراقيّة مهيّأة للاستغلال إذا ما دخل لبنان مرحلة وقف إطلاق النار. لقد بدأ هزّ العصا في وجه العراق على خلفيّة تقرير مصير الميليشيات المسلّحة التابعة لإيران، مثل “الحزب” في لبنان.
هل تشفع له إنجازاته؟
لا يمثّل نتنياهو إضافة واحد إلى رؤساء حكومات إسرائيل، فهذا المهاجر البولنديّ الذي بدأ حياته شابّاً في تنظيم “الهاغاناه”، الذي ارتكب جرائم تهجير الفلسطينيّين في عام 1948، تمكّن من التربّع على عرش السلطة أكثر من أيّ رئيس حكومة من الذين تعاقبوا على هذا الموقع السياسيّ في إسرائيل.
بدأ مسيرته السياسيّة رئيساً للحكومة في عام 1996، واستمرّ في هذا الموقع 12 عاماً. قبل ذلك عمل سفيراً لإسرائيل لدى الأمم المتّحدة، ثمّ وزيراً للماليّة. لقد سجّل تولّيه رئاسة الحكومة رقماً قياسيّاً. مع ذلك ليست محاكمته وإدانته المتوقّعة أمراً استثنائيّاً في إسرائيل. لقد سبق أن حُكم بالسجن على رئيس حكومة سابق هو إيهود أولمرت بتهمة الفساد والرشوة، وعلى رئيس دولة سابق (موشي كاتساف) بتهمة ارتكاب جريمة اغتصاب.
لا توجد سابقة في إسرائيل تسمح بأن يستمرّ رئيس حكومة في منصبه إذا ما أُدين بالرشوة أو الفساد أو الاختلاس، وهي تهم موجّهة إلى نتنياهو. لذلك يحرص نتنياهو، حتّى يبقى في السلطة، على تعطيل المحاكمة إلى أن يملّ القضاة، أو إلى أن يتمّ تفعيل تدخّل الرئيس الأميركيّ ترامب، أو أن تشفع له إنجازاته الحربيّة. بانتظار ذلك، تبقى مصلحته الشخصيّة أن يفتح جبهات حرب تبرّر استمراره على رأس السلطة حتّى إشعار آخر.
الحرب ضروريّة لنتنياهو على الصعيدين السياسيّ والشخصيّ، ومهمّته هي أن يجعلها ضروريّة لإسرائيل.
محمد السماك

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.