ماذا يريد حزب الله من لبنان؟
بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
ماذا يريد “حزب الله” من لبنان؟
لو طُرح هذا السؤال قبل اندلاع حرب إسناد غزة في ٨ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، لاعتُبر استفزازًا أو تحديًا موجّهًا إلى “حزب الله”، وربما وُوجه صاحبه باتهامات بالتخوين والتشكيك في دور الحزب وموقعه.
أما اليوم، فلم يعد طرح هذا السؤال يحمل طابع الاستفزاز، بل بات سؤالًا مشروعًا وواقعيًا يتردد على ألسنة شريحة واسعة من اللبنانيين، بعد الحرب المدمّرة التي شهدها لبنان، والتي دخل فيها الحزب من دون تشاور أو توافق مع سائر الشركاء في الوطن.
وتتزايد مشروعية هذا السؤال وإلحاحه في ضوء حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي خلّفتها الحرب، نتيجة القصف الإسرائيلي الهمجي وما ترتّب عليه من تداعيات إنسانية ومادية قاسية، خلّفت آثارًا عميقة وممتدة على لبنان واللبنانيين.
وتزداد مشروعية طرح هذه الأسئلة في ظل الكلفة الباهظة التي يدفعها لبنان واللبنانيون نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها المتصاعدة، وما تتركه من أثمان ثقيلة على المستويات كافة.
ومن هنا، يصبح من حقّ الناس، بل من واجبهم، أن يطرحوا أسئلة مشروعة حول جدوى مواصلة الحرب، والغاية من استمرارها، والأهداف التي يُراد تحقيقها من خلالها.
وإلى أي أفق تقود هذه الحرب؟ وما الثمن الذي سيواصل لبنان واللبنانيون دفعه في سبيل تحقيق تلك الأهداف؟ وهل تتناسب هذه الكلفة مع النتائج المرجوّة منها؟
وهل تخدم حرب الاستنزاف هذه مصلحة الحزب وبيئته، أم أنها لا تفعل سوى توفير الذرائع لإسرائيل لمواصلة القتل والتدمير، وتوسيع دائرة معاناة اللبنانيين؟ وما الغاية التي يُراد تحقيقها من الإصرار على هذا المسار؟ وإلى أي مدى يعتزم أصحاب القرار المضي فيه؟ والأهم من ذلك كله: ما الثمن الذي سيُطلب من لبنان واللبنانيين دفعه لقاء الاستمرار في هذه الحرب؟
والأهم: هل لا يزال لبنان قادرًا على تحمل الاستمرار في حرب قائمة، بكل ما يترتب عليها من تداعيات تطال الوطن بأسره؟
إن طرح هذه الأسئلة يأتي في سياق نقاش سياسي جاد، ولا ينطلق بأي شكل من الأشكال من منطلق «النكد السياسي» أو بهدف «التمريك» على حزب الله، بل ينبع من حاجة حقيقية إلى فهم مآلات الأمور واستشراف مصير البلد، في ظل الأوضاع البائسة والصعبة التي يعيشها لبنان على مختلف المستويات، وبعدما باتت قدرة اللبنانيين على تحمّل المزيد من الحروب موضع تساؤل جدي، بل ومصدر قلق متزايد.
ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا هنا هو: لماذا لا تكون الدولة اللبنانية هي الجهة التي تتولى مسؤولية التفاوض، بدلًا من أن يرفض حزب الله إسناد هذا الدور إليها، ويفوّض إيران لتكون صاحبة الدور الأساسي في هذا الملف؟
ولماذا يقابل حزب الله بالتحفّظ كل إجراء تتخذه الدولة اللبنانية في إطار التفاوض، ولا سيما حين يكون من شأنه أن يصبّ في مصلحة لبنان؟
قد تكون لدى الحزب أسبابه ومبرراته، وقد تكون له قراءة مختلفة للملف وللمصلحة اللبنانية عن تلك التي يتبناها سائر اللبنانيين.
لكن، في المقابل، من حق اللبنانيين الآخرين أن يعرفوا بوضوح ما هي هذه الأسباب والمبررات، وأن يفهموا لماذا يُرفض أن تكون الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار والدور الأساسي في موضوع يخص لبنان.
ثم يبرز السؤال الأكثر حساسية: ما الذي يدفع حزب الله إلى ربط مصير لبنان بمسار الحرب الأميركية-الإيرانية، وجعل نهايتها شرطًا لبلورة المرحلة المقبلة؟
ويأتي ذلك في وقت يتصاعد فيه التوتر بين إيران وبعض دول الخليج، بما يفتح الباب أمام احتمالات جديدة قد لا يبقى لبنان بمنأى عن تداعياتها.
فكل تصعيد إقليمي إضافي قد ينعكس على مسار الحرب في لبنان، ويزيد من صعوبة فصل القرار اللبناني عن الصراع الأوسع في المنطقة.
وإذا كان هذا الارتباط جزءًا أساسيًا من هوية الحزب ودوره، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: أين تنتهي مصلحة لبنان، وأين تبدأ مصلحة المشروع الذي تقوده إيران؟ وعندما يتعارض الاثنان، أيهما يتقدّم؟
كما بدأ يتردد، حتى في أوساط لبنانيين كانوا إلى وقت قريب من مؤيدي المقاومة، شعور متزايد بالضيق والتململ من استمرار هذه الحرب.
غير أن هذا التململ لا يعني التخلي عن المقاومة، ولا ينطلق، من موقف سياسي معادٍ لحزب الله، بل يأتي أساسًا من قلق متزايد بشأن المستقبل ومصير الحياة اليومية.
فكثيرون منهم يسألون: متى سيتمكنون من العودة إلى مدنهم وقراهم؟ ماذا سيكون مصير عملية إعادة الإعمار؟ ومتى ستتاح لهم فرصة استعادة حياتهم الطبيعية التي عطّلتها الحرب؟
فالإنسان الذي فقد منزله يريد أن يعرف لماذا فقده، والذي هُجّر من بلدته يريد أن يعرف متى يستطيع العودة إليها، والذي يخشى على أبنائه يريد أن يعرف ما هو الأفق.
والسؤال الأهم: هل ستفضي كل هذه الأثمان التي دفعوها إلى نتيجة واضحة ومفهومة، تجعلهم يشعرون بأن كل ما تحمّلوه لم يكن بلا جدوى؟
والذي يعيش في بلد أنهكته الأزمات ومجهول المصير يريد أن يعرف ما إذا كان لبنان سيبقى ساحة مفتوحة لصراعات المنطقة.
وهنا يصبح السؤال أكبر بكثير:
هل يريد حزب الله أن يكون جزءًا من الدولة اللبنانية، بكل ما تعنيه الدولة من مؤسسات ومرجعية وقرار واحد؟
أم يريد أن تبقى الدولة شريكًا في إدارة بلد توجد فيه قوة أخرى تمتلك قرارها العسكري المرتبط بالوضع الإقليمي؟
الفرق بين الخيارين ليس تفصيلًا سياسيًا، بل يتعلق بجوهر فكرة الدولة نفسها.
فلا يمكن أن تكون الدولة مسؤولة عن حماية اللبنانيين، فيما لا تكون هي وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم.
كما لا يمكن تحميل اللبنانيين جميعًا نتائج قرار لم يكن لهم جميعًا حق اتخاذه.
في المقابل، لا ينبغي أن يكون السؤال موجّهًا إلى حزب الله وحده، بل الى الدولة اللبنانية ايضآ؟
فهناك سؤال آخر يجب أن يُطرح على الدولة اللبنانية نفسها: هل تريد فعلًا أن تستعيد قرارها كاملًا؟ وهل تستطيع أن تقنع اللبنانيين بأنها قادرة على حماية الجميع، بما في ذلك بيئة حزب الله؟
فالحديث عن استعادة سلطة الدولة لا يمكن أن ينجح إذا شعر أي مكوّن لبناني بأن الدولة تستعيد سلطتها منه، لا من أجل حمايته.
والطريق إلى استعادة الثقة يبدأ بحوار وطني جدي وشامل، يفتح المجال أمام الجميع للتعبير عن هواجسهم ومخاوفهم، ويعيد بناء الثقة على قاعدة الشراكة والاحترام المتبادل ووحدة الوطن.
فإذا كان المطلوب من حزب الله أن يسلّم قراره للدولة، فعلى الدولة أن تكون دولة فعلًا، لا مجرد مؤسسات عاجزة.
وإذا كان المطلوب من جمهور الحزب أن يثق بالدولة، فعلى الدولة، في المقابل، أن تثبت أنها قادرة على حمايته كما تحمي سائر اللبنانيين.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يُفهم ذلك على أنه دعوة إلى الاستمرار في الحرب، إذ إن كلفة هذا المسار لن تقع على الحزب وحده، بل ستمتد إلى بيئته ولبنان كله.
فكل يوم إضافي من الحرب قد يعني مدنًا وقرى جديدة مهدّمة، وعائلات أخرى تُجبر على ترك أرضها، ومزيدًا من الفقر والتشرّد والنزوح، في وقت لم يعد فيه لبنان قادرًا على تحمّل أعباء جديدة.
ومن هنا، فإن الخيار الأكثر واقعية والأقل كلفة هو أن يكون الخيار هو الدولة، وأن نمضي جميعًا خلف الدولة والجيش اللبناني.
فحتى لو كان الجيش الإسرائيلي متفوقًا عسكريًا على الجيش اللبناني، فإن استهداف الجيش بوصفه المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة اللبنانية لن يكون كاستهداف قوة مسلحة خارج إطار الدولة، لأن أي مواجهة مع الجيش اللبناني ستضع إسرائيل أمام مسؤولية سياسية ودولية مختلفة، وقد تدفع دولًا ومؤسسات دولية إلى التحرك دفاعًا عن سيادة الدولة اللبنانية وجيشها النظامي.
وبالتالي، فإن استعادة الدولة لدورها ليست مجرد شعار سياسي، بل قد تكون السبيل الأكثر واقعية لحماية اللبنانيين، والحفاظ على ما تبقى من المدن والقرى، والحد من النزوح والفقر والدمار، ووضع حد لدوامة حرب يدفع ثمنها المواطن قبل غيره.
لا أحد يطلب من حزب الله أن يتخلى عن قناعاته السياسية، ولا أحد يطلب من جمهوره أن يتخلى عن ذاكرته أو تضحياته.
لكن من حق اللبناني أيضًا أن يعرف: متى ستنتهي الحرب؟ وما أفقها؟ وما ثمنها؟
وربما آن الأوان لأن نتوقف عن تخوين من يسأل، وأن نتعامل مع هذه الأسئلة باعتبارها جزءًا من حق اللبناني في معرفة مصيره.
والأهم أن الإجابات، مهما كانت، يجب أن تكون واضحة وصريحة، لأن المرحلة مصيرية، والشعب اللبناني لم يعد يحتمل حروبًا.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.