مدى جديّة طرح الثقة بالحكومة / 1

14

المحامي  أسامة العرب

تتجه الأنظار إلى جلسة مجلس النواب المقررة في 15 و16 أيلول، والتي يفترض أن تتناول أداء الحكومة وسياساتها العامة، مع احتمال تحوّلها إلى جلسة لطرح الثقة، على غرار ما حصل في تموز 2025. وإذا كان طرح الثقة يشكل، من الناحية الدستورية، إحدى أبرز وسائل الرقابة على السلطة التنفيذية، فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده اليوم ليس فقط: هل يمكن طرح الثقة بالحكومة؟ بل: ما مدى جدية هذا الطرح، وهل يملك فعلاً القدرة على تغيير المعادلة الحكومية؟ وللإجابة عن ذلك، لا بد من التمييز بين الحق الدستوري في ممارسة الرقابة وبين النتائج السياسية التي يمكن أن تترتب عليها.

بدايةً، تقوم المسؤولية السياسية للحكومة أمام مجلس النواب في صلب النظام البرلماني. فالحكومة، وإن كانت تتولى ممارسة السلطة التنفيذية، لا تعمل خارج دائرة المساءلة، بل تبقى مطالبة بتبرير سياساتها وقراراتها أمام ممثلي الشعب.

وقد وضع الدستور اللبناني مجموعة من الوسائل التي تمكّن النائب من ممارسة هذه الوظيفة، تبدأ بالسؤال والاستيضاح، مروراً بالاستجواب والمناقشة العامة والتحقيق البرلماني، وصولاً إلى طرح الثقة بالحكومة أو بأحد الوزراء.

والسؤال هو الوسيلة الأبسط، إذ يهدف أساساً إلى الحصول على معلومات أو توضيحات حول مسألة معينة. أما الاستجواب فيتجاوز مجرد الاستفهام إلى المناقشة والمحاسبة، وينطوي بطبيعته على نقد لموقف الحكومة أو أحد الوزراء. ولذلك لا يبقى الاستجواب محصوراً بين النائب والوزير، وإنما يفتح الباب أمام مشاركة سائر النواب في مناقشة القضية المطروحة.

ويقدّم طلب الاستجواب خطياً إلى الحكومة بواسطة رئيس مجلس النواب، وعلى الحكومة الإجابة خلال خمسة عشر يوماً، مع إمكان التمديد إذا كانت المسألة تستوجب إجراء تحقيق. وعند ورود الجواب، يُدرج الموضوع في جدول أعمال أول جلسة مخصصة للأسئلة والاستجوابات، فإذا اقتنع النائب انتهى البحث، وإذا لم يقتنع، جاز له الانتقال إلى طلب طرح الثقة. كما يستطيع المجلس، إذا وجد في الموضوع خطورة تستوجب التثبت، أن يقرر إجراء تحقيق برلماني. وهكذا يتضح أن الرقابة البرلمانية ليست إجراءً واحداً، وإنما منظومة متدرجة، يتصاعد فيها مستوى المساءلة من الاستيضاح إلى المحاسبة السياسية.

كذلك، تكرّس المادة 37 من الدستور حق النائب في طلب طرح الثقة بالحكومة أو بأحد الوزراء، سواء خلال الدورة العادية أو الاستثنائية. ولا تتم مناقشة الطلب والاقتراع عليه إلا بعد انقضاء خمسة أيام على إيداعه رئاسة المجلس وإبلاغه الوزراء المعنيين. وتكتسب هذه المهلة أهمية دستورية، لأنها تمنح الحكومة والنواب فرصة للاستعداد للمناقشة، وتمنع أن يتحول حجب الثقة إلى قرار مفاجئ لا يستند إلى نقاش سياسي مسؤول.

أما إذا حُجبت الثقة عن الحكومة، فإنها تعتبر مستقيلة وفقاً للمادة 69 من الدستور. ومن هنا، فإن التصويت على الثقة ليس مجرد موقف سياسي رمزي، بل هو إجراء قد يؤدي، إذا توافرت أكثرية الحجب، إلى إنهاء الولاية السياسية للحكومة.

وقد جاء التعديل الدستوري الصادر في 8 أيار 1929 ليتيح ممارسة حق حجب الثقة أيضاً خلال الدورات الاستثنائية، بما ينسجم مع طبيعة الرقابة البرلمانية التي يفترض أن تكون مستمرة وغير مرتبطة حصراً بفترات انعقاد المجلس.

وفي حال وجود ظرف طارئ يستدعي مساءلة الحكومة خارج الدورة العادية، يمكن اللجوء إلى الآلية الدستورية لفتح دورة استثنائية وفق المادة 33 من الدستور، الأمر الذي يؤكد أن السلطة التنفيذية لا ينبغي أن تكون بمنأى عن الرقابة بسبب عامل زمني إجرائي.

غير أن قراءة النصوص وحدها لا تكفي لفهم حقيقة طرح الثقة في لبنان. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في وجود الحق الدستوري، وإنما في البيئة السياسية التي يمارس فيها هذا الحق.

ففي الأنظمة البرلمانية، تكون الحكومة عادة ثمرة أكثرية نيابية واضحة، ولذلك يصعب إسقاطها ما دامت تلك الأكثرية متماسكة. وقد أصبح حجب الثقة في عدد من الديمقراطيات البرلمانية الراسخة أمراً نادراً، لا بسبب ضعف الآليات الدستورية، وإنما لأن التوازنات الحزبية تجعل الحكومة مطمئنة إلى وجود قاعدة نيابية داعمة لها.

ويبدو الوضع اللبناني أكثر تعقيداً، إذ اعتادت الحكومات اللبنانية أن تتشكل على أساس الوفاق الوطني ومشاركة معظم القوى السياسية والكتل النيابية، بحيث تصبح الحدود بين الحكومة والبرلمان، وبين الموالاة والمعارضة، أقل وضوحاً مما هي عليه في الأنظمة البرلمانية التقليدية. وهنا تبرز مفارقة أساسية: كيف يمكن للبرلمان أن يمارس رقابة فعالة على حكومة تشارك القوى السياسية نفسها في تشكيلها؟

فالنائب قد يكون في موقع الرقابة من الناحية الدستورية، لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى كتلة سياسية ممثلة في الحكومة. ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الازدواجية في درجة استقلالية القرار الرقابي وفي احتمال انتقاله من المساءلة إلى حجب الثقة.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.