منتصر واحد في حرب إيران: باكستان الرقم الصعب

15

بقلم محمد قواص

«أساس ميديا»

لا يمكن فهم صعود باكستان إلى صدارة الوساطة بين الولايات المتّحدة وإيران من دون العودة إلى مفاصل عسكريّة دراماتيكيّة وضعت البلد في مواجهة لافتة مع كلّ من إيران والهند عامَي 2024 و2025 وأعادت تعريف مكانتها الإقليميّة. كيف صارت باكستان دولة أساسيّة في العالم؟

في كانون الثاني 2024 شنّت إيران ضربات على إقليم بلوشستان في باكستان بحجّة استهداف مواقع لـ “إرهابيّين إيرانيّين” (جماعة “جيش العدل” السنّيّة المتشدّدة). أثارت الخطوة إسلام آباد التي اعتبرتها انتهاكاً مباشراً لسيادتها، فردّت بعد ساعات بضربات داخل الأراضي الإيرانيّة. اضطرّت طهران إلى التراجع وتوسّل التهدئة، وهو ما رسّخ صورة باكستان الدولة التي لا تتسامح مع تجاوز حدودها، ولا تتردّد في استخدام القوّة حين تُستهدف أراضيها أو تُمسّ سيادتها.

في نيسان 2025 تصاعد التوتّر بين باكستان والهند على خلفيّة هجوم دمويّ في كشمير وما تبعه من مناوشات واشتباكات على طول خطّ السيطرة، قبل أن ينتقل التصعيد إلى مستوى أعلى في أيّار مع الضربات الهنديّة على مواقع داخل الأراضي الباكستانيّة، وردّ باكستان بعمليّة عسكريّة مضادّة واسعة أدهشت الولايات المتّحدة. تبنّى ترامب لاحقاً وقف التصعيد وباتت باكستان تُقرأ مذّاك في واشنطن باعتبارها رقماً صعباً في معادلات الأمن الإقليميّ، ودولة لا يمكن تجاهل وزنها العسكريّ أو اختزالها في صورتها الاقتصاديّة المتعثّرة.

بناء مكانة إقليميّة؟

دفعت هذه التطوّرات إلى تحسّن كبير في علاقات باكستان (الحليفة للصين) مع الولايات المتّحدة التي باتت تتعامل مع باكستان باعتبارها لاعباً أمنيّاً مؤثّراً لا طرفاً تابعاً في ملفّات جنوب آسيا. لم تعد علاقة واشنطن وإسلام آباد تُبنى فقط على المساعدات أو مكافحة الإرهاب، بل أخذت تتّجه نحو وظيفة أكثر براغماتيّة وفق واجهات تقويم جديدة: باكستان دولة قادرة على الردع وإدارة الأزمات وفتح قنوات حين تنغلق الطرق الأخرى.

دخلت باكستان أزمة الحرب الأميركيّة-الإيرانيّة محمولة على رصيد من سمعة وتحوُّل في الصورة النمطيّة البليدة، مستندة إلى ما بات مسلّمة استراتيجيّة بامتلاكها القدرة والجرأة والإقدام على الردع على الجبهة الإيرانيّة، والحزم على الجبهة الهنديّة. جعلت المسلّمات من وساطة باكستان أكثر من قناة تواصل جغرافيّة، إذ اعتُبرت أنّها صادرة عن دولة أثبتت أنّها تستطيع أن تضبط حدودها بالقوّة، ثمّ تعود لتدير التهدئة بالدبلوماسيّة. تراجُع إيران بعد الضربة الباكستانيّة، ثمّ انخراط باكستان لاحقاً في مسار الوساطة بين طهران وواشنطن، ليسا حدثين منفصلين بل حلقتان في بناء مكانة إقليميّة جديدة.

لا ينفصل هذا التحوّل عن البنية الأوسع لتموضع باكستان في الإقليم. ليست لاعباً معزولاً، بل دولة تتحرّك بين عدّة دوائر متداخلة: الخليج، إيران، الولايات المتّحدة، الصين، وجنوب آسيا، علاوة على أنّ اتّفاقيّة الدفاع الاستراتيجيّ بين إسلام آباد والرياض، في أيلول 2025، كشفت عن بصيرة سعوديّة فتحت أبواب الشرق الأوسط للاعب كبير بات رقماً جديداً في مصير ومسارات المنطقة، وبات جزءاً من رباعيّة أوزان مع المملكة السعوديّة ومصر وتركيا.

تبرز هنا أهميّة الممرّ الاقتصاديّ الصينيّ-الباكستانيّ (CPEC) بوصفه أحد أهمّ أذرع الربط بين باكستان والصين ضمن مبادرة الحزام والطريق. لا يمنح هذا الممرّ باكستان قيمة اقتصاديّة فحسب، بل ويمنحها وزناً جيوسياسيّاً أكبر، لأنّه يجعل استقرار الخليج وممرّات الطاقة البحريّة جزءاً من مصالحها المباشرة ومصالح بكين في الوقت نفسه.

تحويل القوّة إلى ورقة سياسيّة

تبدو باكستان وكأنّها في وساطتها تتطوّع لتمثيل شبكة من المصالح. تفضّل الصين الاستقرار، والولايات المتّحدة تحتاج إلى قنوات خفض تصعيد، وإيران لا تريد حرب استنزاف طويلة، والمملكة السعوديّة تبحث عن ضبط الإيقاع الإقليميّ، وباكستان تحاول أن تضع نفسها في قلب هذا التوازن دون أن تنحاز بالكامل إلى أيّ طرف.

لا تبدو وساطة إسلام آباد صدفة وتدبيراً مرتجلاً. تقدّمت باكستان على نحو لافت ومفاجئ بصفتها طرفاً مقبولاً يحظى بثقة عالية من قبل إيران والولايات المتّحدة وكأنّها تعلن نهاية عهد كانت فيه دول مثل عُمان وقطر تحتكران هذا الدور.

بدا أنّ التحوّلات المتعدّدة المستويات التي شهدتها المنطقة منذ “طوفان الأقصى” في تشرين الأوّل 2023 انتهاء بشمول الحرب الحاليّة دول الخليج، مروراً بارتباك روسيا والصين وأوروبا، باتت تحتاج إلى لاعب جديد، كبير، بمستوaى دولة نوويّة إسلاميّة تمتلك رصيداً عسكريّاً واضحاً وعلاقات متشابكة مع واشنطن وطهران والرياض وبكين في آن واحد.

لا تسعى باكستان إلى وقف حرب أو تخفيف تصعيد فقط، بل إلى تثبيت موقع لها تكون فيه قوّة صلة بين دوائر متنازعة. كان من السهل استنتاج سيطرة إسلام آباد على قواعد اللعبة ومهارة في توزيع الأدوار وتنويع المهمّات بين رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الخارجيّة إسحق دار، إضافة إلى دور لافت لقائد الجيش عاصم منير الذي يحتضنه قادة إيران بودّ وترحيب لافتين، ويشيد بخصاله الرئيس الأميركيّ ويستقبله بحفاوة أصدقاء الطفولة في البيت الأبيض.

تروي دروس باكستان أنّ المكانة لا تأتي بالضرورة من امتلاك القوّة الصلبة وحدها، بل من القدرة على تحويل القوّة إلى ورقة سياسيّة، وتحويل الردع إلى رصيد دبلوماسيّ، وتحويل الأزمات المتكرّرة إلى مدخل لصعود أوسع في النظام الإقليميّ، فهل تكون باكستان المنتصر الوحيد في حرب بين واشنطن وطهران لن يعترف فيها الخصمان إلّا بالنصر الأكيد؟

محمد قواص

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.