ميلاد رفيق الحريري… ميلاد وطن
بقلم د. ابراهيم العرب
في ذكرى ميلاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، رحمه الله، لا يستعيد لبنان اسم رجل عبر السلطة ثم غاب، بل يستعيد معنىً افتقده في حياته العامة: أن تكون السياسة مسؤولية عن مستقبل الناس، وأن تكون الزعامة قدرةً على جمعهم حول رجاء مشترك. بعض الشخصيات تُقاس بما شغلته من مواقع، وبعضها يُقاس بما تركه غيابها من فراغ. والشهيد رفيق الحريري من أولئك الذين أصبح غيابهم سؤالاً وطنياً مفتوحاً، لأن حضورهم تجاوز حدود المنصب إلى صناعة الثقة بإمكان النهوض، مهما اتسعت الجراح وضاقت السبل.
ليست هذه المناسبة استدعاءً لسيرة، ولا تعداداً لمحطات يعرفها اللبنانيون، وإنما محاولة لقراءة الشخصية التي جعلت من إعادة بناء لبنان قضية حياة. كانت قوته في امتلاكه تصوّراً للغد الأفضل، وفي إصراره على أن الخراب ليس قدراً نهائياً. رأى في البلاد طاقات معطّلة، وفي مجتمعها استعداداً لاستئناف الحياة إذا توافرت له القيادة القادرة على تحويل الأمل إلى عمل. ولذلك لم يكن حضوره إدارياً فحسب؛ كان حضور رجل يريد إقناع وطن مُتعب بأن النهوض ممكن، وأن الخروج من الحرب يحتاج إلى مشروع يتجاوز وقف إطلاق النار.
في شخصيته التقت إرادة الإنجاز بواقعية التفاوض، واقترن الطموح بإدراك تعقيدات المجتمع اللبناني. لم تكن التسوية عنده بالضرورة تنازلاً عن المبدأ، بل وسيلة لحماية المجال الذي يستطيع اللبنانيون أن يعيشوا فيه معاً. وهذه مسألة جوهرية في فهم الزعامة الوطنية: فالزعيم لا يثبت حجمه بمقدار ما يهزم شركاءه، وإنما بمقدار ما يجعل الشراكة قابلة للاستمرار. ومن هذا المنظور، اكتسبت قدرته على التواصل مع المختلفين أهمية تتجاوز العلاقات الشخصية، لتصبح عنصراً في إدارة التوازن وحفظ الاستقرار.
كان العيش المشترك في تجربته أعمق من عبارة تتصدر الخطابات الاحتفالية. إنه شرط وجود لبنان، ومصدر قيمته، والأساس الذي يمنع اختلاف جماعاته من التحوّل إلى قطيعة دائمة. والانصهار الوطني، بهذا المعنى، لا يلغي الخصوصيات ولا يطلب من أحد التخلي عن ذاكرته؛ بل يضع الانتماء إلى الوطن فوق استثمار المخاوف المتبادلة. لقد جسّد الشهيد رفيق الحريري، في أبرز وجوه حضوره، قناعة بأن ازدهار طائفة وسط انهيار الدولة وهم، وأن الأمن الحقيقي لا يستقيم حين يشعر بعض اللبنانيين بأن مستقبلهم يُبنى على حساب الآخرين.
من هنا يمكن فهم موقع اتفاق الطائف في رؤيته السياسية. فقد مثّل إطاراً لإنهاء الحرب وإعادة تنظيم الشراكة داخل الدولة، لا مجرد معادلة لتوزيع المواقع. وكانت أهمية التمسك به متصلة بالحاجة إلى مرجعية تجمع اللبنانيين حين تختلف حساباتهم. وليس الإنصاف في تقديس النصوص أو إعفائها من النقاش، بل في التمييز بين مبادئ التسوية الوطنية وبين ممارسات عطّلت تطبيقها أو أفرغتها من مضمونها. فالدولة لا تستقر بالدستور وحده، وإنما بإرادة سياسية تحترمه وتمنح مؤسساته القدرة على أداء وظائفها.
أما إعادة الإعمار، فكانت التعبير الأكثر ظهوراً عن تلك الإرادة. لم يكن ترميم بيروت وتأهيل مرافق البلاد عملاً عمرانياً محضاً؛ كان محاولة لاستعادة وظيفة لبنان الاقتصادية، وإعادة وصل ناسه بمستقبل انقطع تحت وطأة الحرب. فالطريق والمطار والمرفق العام ليست منشآت صامتة: وراءها عامل ينتظر رزقه، وأسرة تحتاج إلى الاستقرار، وشاب يريد سبباً للبقاء. ومن هذه الزاوية، تستمد ورشة النهوض معناها الوطني، لأنها سعت إلى تحويل السلام من خبر سياسي إلى تجربة يومية يلمسها المواطن. وتبقى للشهيد مكانته بوصفه صاحب مبادرة واسعة للنهوض، لا بوصفه سياسياً فوق النقد أو تجربة خارج التاريخ.
وكان التعليم من أبلغ الوجوه الإنسانية في عطائه. فالاستثمار في الطالب يتجاوز المساعدة الآنية، لأنه يمنحه أداة لبناء استقلاله وتوسيع خياراته. وفي بلد يتهدّده النزف المستمر للكفاءات، تصبح رعاية التعليم دفاعاً عن الثروة التي لا تعوّض: الإنسان. إنّ قيمة هذا الإنجاز ليست في الأرقام وحدها، بل في البيوت التي تبدلت آفاقها، وفي الآباء الذين استطاعوا تخيّل مستقبل أفضل لأبنائهم. هناك، بعيداً من المنابر، تكتسب الزعامة معناها الأخلاقي، حين تترك أثراً لا يحتاج كل يوم إلى إعلان.
وعلى المستوى العربي والدولي، منح الشهيد لبنان حضوراً ارتبط بقدرته على بناء العلاقات واستعادة الثقة. ولم تكن تلك العلاقات ترفاً دبلوماسياً لبلد خارج من الحرب؛ بل كانت حاجة إلى الدعم والاستثمار وإعادة الاعتبار لدوره. وقد فهم أن لبنان يزداد قوّة بانفتاحه، وأن عمقه العربي وعلاقاته الدولية يمكن أن يخدما استقراره إذا وُضعا في خدمة المصلحة الوطنية. لذلك بدا مشروعه، في جوهره، محاولة لإعادة البلاد إلى العالم، بعدما كادت الحرب تحصر صورتها في الخوف والخراب والعجز.
حين اغتيل الشهيد رفيق الحريري، لم يفقد لبنان رئيس حكومة سابقاً فحسب، بل فقد قامة وطنية رفيعة امتلكت وزناً في وصل الداخل بالخارج، وفي وصل السياسة بالاقتصاد وإرادة الحياة. ولا يعني ذلك أن شخصاً واحداً يستطيع ضمان استقرار بلد بكل تناقضاته، لكن بعض الرجال يشكلون ركائز ثقة يصعب تعويضها مهما طال الزمن. فقد أصاب اغتياله إحساس اللبنانيين بالأمان السياسي، وترك جرحاً في فكرة إمكان الاختلاف من دون الإلغاء، وفي حق الوطن بأن يختار مستقبله بعيداً من العنف.
لهذا تأتي ذكرى ميلاده محمّلة بما هو أبعد من الحنين. إنها تضع أمام اللبنانيين سؤال القيادة التي يحتاجون إليها: قيادة تجمع ولا تستثمر الانقسام، تبني المؤسسات ولا تكتفي باحتلال مواقعها، وتدرك أن كرامة المواطن ليست تفصيلاً مؤجلاً. إنّ الوفاء للشهيد رفيق الحريري لا يكون بتحويل صورته إلى بديل عن العمل، بل بإحياء المعاني التي منحت حضوره قيمته: الاعتدال، والتعليم، والإعمار، والشراكة، والإيمان بأن لبنان يستحق فرصة دائمة للحياة.
في ذكرى ميلادك، يا رفيق الحريري، نستعيد رجلاً أحب وطنه بالفعل والعطاء، ونترحم على شهيد بقي اسمه متصلاً برجاء النهوض. رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته. ستبقى محبتك في وجدان من رأوا فيك عنواناً للعيش المشترك وقامةً للاستقرار والازدهار. والأمانة مستمرة مع نجلك الرئيس الشيخ سعد الحريري، حامل الشعلة وحافظ المسيرة؛ وأمانة لبنان الذي يتسع لجميع أبنائه، وتبقى وحدته أغلى من المواقع، وكرامة إنسانه أسمى من المصالح.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.