نداء صور والنبطية: الانتقال من “التحرير” إلى “البقاء”

7

بقلم أيمن جزيني
«أساس ميديا»
قد يكون من السهل على البعض أن يقرأ نداء صور والنبطيّة باعتباره احتجاجاً على “الحزب” أو اعتراضاً على أداء المقاومة في الحرب الأخيرة. قد يكون من السهل أيضاً إدراجه في السجالات اللبنانيّة التقليديّة بين مؤيّدين ومعارضين، بين دعاة الدولة وأنصار السلاح، أو بين خصوم إيران وحلفائها. لكنّ هذه القراءة، على الرغم من مشروعيّتها السياسيّة، تبقى أقلّ من حجم الحدث نفسه.
النداء الذي خرج من قلب الجنوب لا يكتسب أهمّيّته من مضمونه المباشر فقط، بل من الجهة التي صدر عنها. ذلك أنّ أخطر التحوّلات السياسيّة ليست تلك التي تأتي من الخصوم، بل تلك التي تبدأ داخل البيئات التي صنعت الظاهرة نفسها ومنحتها شرعيّتها التاريخيّة. من هذه الزاوية يبدو نداء صور والنبطيّة حدثاً يتجاوز السياسة اليوميّة إلى ما هو أعمق: بداية مراجعة داخل البيئة الشيعيّة اللبنانيّة لعلاقة مجتمع كامل بفكرة “المقاومة” المسلّحة التي شكّلت جزءاً أساسيّاً من هويّته خلال العقود الأربعة الماضية.
ربّما تكمن القيمة الحقيقيّة لنداء صور والنبطيّة هنا بالذات: قد يكون أوّل نصّ سياسيّ يعلن أنّ الجنوب الذي صنع “مقاومة” كبرى بدأ يبحث عن شيء أكبر من “المقاومة” نفسها. بدأ يبحث عن وطن وعن دولة.
النّداء بوصفه حدثاً في الوعي لا السّياسة
منذ الثمانينيّات لم تكن “المقاومة” تنظيماً أو سلاحاً أو استراتيجيّة عسكريّة فقط. كانت مشروعاً اجتماعيّاً وثقافيّاً وأخلاقيّاً متكاملاً. بُنيت حولها سرديّة جماعيّة عن الكرامة والعدالة والتحرّر. لذلك أيّ مراجعة لها لا تعني بالضرورة انقلاباً على الماضي، بل قد تكون تعبيراً عن سؤال جديد يفرض نفسه على جماعة دفعت أثماناً هائلة في الحرب والسلم معاً.
لا تغيّر الطوائف والجماعات قناعاتها الكبرى دفعة واحدة، بل عبر مسارات طويلة من التجربة والخسارة وإعادة النظر. بنى الشيعة اللبنانيّون، الذين عاشوا عقوداً من التهميش والاحتلال والحروب، خلال النصف الثاني من القرن العشرين هويّة سياسيّة مركزها فكرة المقاومة.
لكنّ المجتمعات لا تبقى ثابتة. الجنوب الذي احتضن المقاومين هو نفسه الجنوب الذي تغيّر. آلاف الطلّاب دخلوا الجامعات. عشرات الآلاف هاجروا إلى إفريقيا والخليج وأوروبا وأميركا الشماليّة. نشأت طبقة وسطى جديدة. توسّعت المدن. تبدّلت أنماط الحياة. ظهر جيل لم يعِش الاحتلال الإسرائيليّ كما عاشه آباؤه، لكنّه عاش الانهيار الاقتصاديّ والهجرة والخوف على المستقبل. مع مرور الوقت بدأت الأولويّات تتبدّل تدريجاً. لم يعُد السؤال الأساسيّ: كيف نقاوم؟ بل كيف نعيش؟ وكيف نبقى؟ وكيف نحمي ما بقي من مجتمعنا وأرضنا وأبنائنا؟
من جيل التّحرير إلى جيل البقاء
ليس صدفة أن يظهر النداء في لحظة يشعر فيها كثير من أبناء الجنوب أنّ الخطر لم يعد يهدّد الحدود فقط، بل يهدّد المجتمع نفسه. القرى التي كانت تخشى الاحتلال باتت تخشى الفراغ. العائلات التي كانت تخشى النزوح المؤقّت باتت تخشى الهجرة الدائمة. المدن التي كانت تنتظر التحرير باتت تنتظر فرص العمل والكهرباء والاستقرار.
هنا تكمن المفارقة الكبرى. الثقافة التي نشأت لحماية المجتمع من الخطر الخارجيّ تجد نفسها اليوم في مواجهة سؤال يطرحه المجتمع نفسه: ماذا لو أصبحت كلفة استمرار الحرب أكبر من قدرة الجماعة على الاحتمال؟
هذه ليست أسئلة أيديولوجيّة ولا دعوات إلى الاستسلام، بل تعبير عن تحوّل سوسيولوجيّ عميق. كلّ جماعة بشريّة تصل في مرحلة معيّنة إلى إعادة تعريف مصالحها وأولويّاتها. ما كان يبدو بديهيّاً في زمن الاحتلال قد لا يبقى كذلك في زمن الانهيار الاقتصاديّ والنزف الديمغرافيّ والهجرة الجماعيّة.
لذلك يمكن النظر إلى نداء صور والنبطيّة بوصفه أوّل تعبير علنيّ كبير عن انتقال قسم من البيئة الشيعيّة من ثقافة التحرير إلى ثقافة البقاء.
نهاية قداسة الحرب وبداية سؤال الحياة
لا توجد جماعة بشريّة تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل منطق التعبئة الدائمة. قد تُنتج الحرب بطولات، لكنّها لا تنتج مجتمعاً مستقرّاً. قد تحرّر المقاومة أرضاً، لكنّها لا تستطيع وحدها أن تبني دولة أو اقتصاداً أو مستقبلاً.
من هنا تتجاوز أهميّة النداء مسألة الحرب الراهنة، فهو يكشف عن تصدّع متدرّج في إحدى أكثر المسلّمات رسوخاً في الحياة السياسيّة اللبنانيّة: خُلق الجنوب ليكون جبهة مفتوحة إلى ما لا نهاية، والحقيقة أنّ الجنوب لم يكن يوماً جبهة فقط. إنّه مجتمع كامل له مصالحه وطبقاته وأحلامه وتحوّلاته ومخاوفه، وله الحقّ في أن يُعامل باعتباره مكاناً للحياة لا ساحة للمواجهة فقط.
بهذا المعنى يبدو النداء أقرب إلى إعلان ثقافيّ منه إلى بيان سياسيّ. يقول إنّ المجتمع يريد أن يستعيد حقّه في طرح الأسئلة التي كانت مؤجّلة. هل وظيفة الجنوب أن يقاوم فقط أم من حقّه أن يعيش أيضاً؟ هل قيمة الإنسان في ما يقدّمه للحرب أم في ما يبنيه للحياة؟ وهل يمكن أن تتحوّل المقاومة نفسها إلى غاية مستقلّة عن المجتمع الذي وُجدت أصلاً لحمايته؟ هذه الأسئلة لا تنزع الشرعيّة عن تاريخ طويل من التضحيات، لكنّها تعيد وضع هذه التضحيات في ميزان المستقبل لا في ميزان الذاكرة وحدها.
لبنان الذي يعود من الجنوب
لا يتعلّق نداء صور والنبطيّة بـ “الحزب” وحده، ولا حتّى بـ”المقاومة” وحدها. يتعلّق بلبنان نفسه. كلّ مراجعة كبرى داخل البيئة الشيعيّة ستقود بالضرورة إلى إعادة طرح سؤال الدولة اللبنانيّة ودورها وموقعها.
لقد عاش لبنان طوال عقود في ظلّ ازدواجيّة قاتلة: دولة ضعيفة و”مقاومة” قويّة. لكنّ هذه المعادلة التي نشأت في ظروف استثنائيّة تبدو اليوم موضع نقاش متزايد حتّى داخل البيئة التي منحتها شرعيّتها التاريخيّة، ليس لأنّ الناس فقدوا إحساسهم بالخطر الإسرائيليّ، بل لأنّهم باتوا يشعرون أنّ المجتمع نفسه أصبح في دائرة الخطر.
هنا تبرز الدلالة الأهمّ للنداء، فهو لا يدعو إلى الاستسلام، بل إلى نقل وظيفة الحماية من الجماعة إلى الدولة، ومن التنظيم إلى المؤسّسة، ومن الساحة إلى الوطن. يعكس توقاً متزايداً إلى لبنان طبيعيّ، لا يُطلب من جزء منه أن يحمل وحده أعباء الصراع، ولا يُطلب من أبنائه أن يعيشوا جيلاً بعد جيل على إيقاع الحرب نفسها.
أيمن جزيني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.