ياغي “للشرق” كميات كبيرة من النفط قد تختفي إذا استمرّ التوتر في محيط مضيق هرمز واغلاقه كليا قد يرفع أسعار النفط الى 150و200 دولار ولبنان المتضرر الأكبر قد يتجاوز سعر صفيحة البنزين50 دولار
سلاح المضائق أو حرب الطاقة العالمية
كتبت ريتا شمعون
إن حرب أميركا-إسرائيل وايران الأخيرة حوّلت أنظار العالم الى المضائق والمعابر ولفتت النظر الى خطورة انقطاع سلاسل توريد الطاقة، والى ثلاثة من أخطر المضائق والممرات على الأرض التي تقع في المنطقة العربية والمنطقة العربية تقع في وسط العالم ” هرمز، وباب المندب، وقناة السويس” حيث تتحكم في نقل معظم تجارة النفط والطاقة العالمية، تربط قارات العالم القديم ( آسيا، أفريقيا، أوروبا) وتعد المنطقة العربية وخاصة دول الخليج مركزا عالميا رئيسيا للطاقة حيث تمتلك أكثر من احتياطي النفط في العالم، هنا نفهم حقائق الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ، حيث تعد السيطرة على موارد الطاقة بما في ذلك احتياطات النفط، محركا تاريخيا وجوهريا للحروب في المنطقة العربية وايران، في عامي 2025و2026 .
الخبير في الشؤون النفطية الدكتور ربيع ياغي، يعتبر في حديث خاص لجريدة” الشرق” أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط يركز على التحكم في طرق الإمداد الحيوية، إذ تسعى القوى الكبرى ( الولايات المتحدة والصين) لتامين مسارات تجارية تشمل إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، مؤكدا ان النفط يستخدم في هذه الحروب كأداة للحرب الاقتصادية .
ومضيق هرمز الذي يشكل هدفا مهما في الاتفاق الأميركي- الإيراني، هو الممرّ الرئيسي، لتصدير النفط والغاز السائل، حيث يمرّ عبره جزء كبير من النفط الخام العالمي ( 20 مليون برميل يوميا) أو ما يعادل 20% من استهلاك النفط العالمي مشيرا الى ان أهم الدول المصدرة عبره ، السعودية ، العراق، الامارات، الكويت وقطر، لا يمرّ عبره النفط الخام فحسب، بل يمرّ عبره أيضا خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال ، ومضيق هرمز يعتبر أساس الاقتصاد العالمي، فأي توتر واغلاق للمضيق يؤدي الى اضطراب في أسواق الطاقة العالمية.
وما يواجه العالم اليوم بسبب اغلاق المضيق ليس توقف حقول النفط والغاز عن الإنتاج بل بالنقص المادي الذي يقدر بنحو 20% من امدادات النفط العالمية ( ما يعادل 20 مليون برميل يوميا) مما يسبب صدمة في أسواق الطاقة، وكذلك ارتفاع فواتير الطاقة في العالم لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية مؤكدا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز اليوم شبه معدومة، محذراً من ان نقص إمدادات الطاقة بدأ يضرب الدول الفقيرة والمستوردة متوقعا انتقال هذه الأزمة قريبا الى الاقتصادات المتوسطة ثم الدول الغربية إذا استمرّ التوقف الجزئي الحادّ في مضيق هرمز في ظل التطورات الدراماتيكية في هذه المرحلة.
أما باب المندب، يقول ياغي، لا يقل أهمية عن مضيق هرمز، حيث يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي وتمرّ عبره أكثر من 10% من التجارة البحرية العالمية وشحنات النفط بين آسيا وأوروبا، ويمرّ عبر هذا الممرّ بنحو ستة ملايين برميل نفط يوميا، يمثل أحد أضلاع مثلث المعابر الاستراتيجية لنقل الطاقة والغاز بعد مضيق هرمز وقناة السويس.
وأكد ياغي، ردا على سؤال، أن الارتفاعات الجنونية في الأسعار التي نشهدها اليوم هي نتيجة الاغلاق الجزئي لمضيق هرمز من قبل ايران التي تسمح (بمرور سفن الدول التي تعتبرها غير معادية أو حليفة كالصين وباكستان والهند) ، في سياق تصاعد النزاع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيرا الى ان الحصار البحري التي تفرضه أميركا على الموانىء الإيرانية، بهدف التحكم في حركة السفن التجارية والنفطية الداخلة اليها والخارجة منها، في اطار تصعيد عسكري واقتصادي.
ويؤكد ياغي، في السياق، أن اغلاق مضيق هرمز كليا قد يشعل أسعار النفط متوقعا بارتفاع خام برنت الى مستويات غير مسبوقة تتراوح بين 150و 200 دولار للبرميل، لافتا الى احتمال فقدان كميات ضخمة من النفط من الأسواق العالمية قد يصل الى 20 مليون برميل يوميا وقد تختفي من العرض العالمي بسبب التوترات حول مضيق هرمز.
أما تأثيره على لبنان، كبيرا كونه بلداً مستوردا بالكامل للمحروقات، حيث أدّت تلك التوترات الى قفزة في أسعار المحروقات، مما ينعكس على فاتورة الاستيراد اللبنانية. كما يؤكد ان لبنان في مواجهة هذه الأزمات يبدو ضعيفاً، موضحا أنه لا يوجد مخزون استراتيجي طويل الأمد، بل تعتمد البلاد على كميات متوفرة في مستودعات الشركات المستوردة ( البالغ عددها 12) لتأمين حاجة السوق بشكل يومي أو أسبوعي، كما ان لبنان لا يمتلك مصافي لتكرير النفط تعمل حاليا. لذلك يشهد لبنان موجة ارتفاعات جديدة وحادة في الأسعار مدفوعة بشكل رئيسي بالقفزة الكبيرة في أسعار النفط عالميا نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بالإضافة الى ارتفاع أقساط التامين مما يرفع كلفة الاستيراد.
ويلفت ياغي، أن الولايات المتحدة ليست بمنأى عن ارتفاع أسعار المحروقات، حيث أدّت التوترات حول مضيق هرمز الى قفزات ملحوظة في أسعار البنزين والديزل داخل البلاد رغم كونها من أكبر الدول المنتجة للنفط.
وأضاف، قد تتغير أسعار بوالص التأمين على الشحن البحري، الجوي، والبرّي بناء على التطورات الأمنية ” مخاطر الحرب” حيث سجلت ارتفاعات هائلة حيث اضطرّ المستوردون والناقلون لدفع رسوم ( War Risk Surcharges) لضمان مرور السفن مما يؤثر سلبا على سلاسل الامداد ويرفع أسعار كل شيء والمحروقات والسلع مضيفا: طالما بقي النزاع قائما بين ايران وأميركا تظل احتمالية استمرار صعود الأسعار قائمة، بسبب نقص الامدادات الفعلي وخوف الأسواق من انقطاع أطول.
وفي الحديث عن ” ترويكا” المضائق” مضيق هرمز، باب المندب، وقناة السويس، تعدّ وفق ياغي، الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وهي في الوقت ذاته، نقاط اختناق استراتيجية (Choke Points) شديدة الحساسية، تصبح عرضة للاضطراب والتوتر عند أي أزمة سياسية أو عسكرية إقليمية، مضيفا: أي اضطراب فيها لا يبقى محصورا في محيطه الجغرافي، بل يمتد سريعا الى أسعار الشحن والطاقة والغذاء والتأمين ثم الى التضخم والنمو خاصة في الاقتصادات الأشد هشاشة، وتكمن أهمية هذه الممرات في أنها تختصر الزمن والكلفة، وتسمح بتدفق السلع والطاقة عبر مسارات محددة لا يمكن استبدالها بسهولة.
ويرى ياغي، أن أي تهديد أو اغلاق لمضيق باب المندب يشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد العالمي وينذر بكارثة حقيقية في الأسعار وذلك نظرا لأهميته الاستراتيجية القصوى كشريان تجاري رئيسي وستضطر الملاحة البحرية الى تحويل مسارها الى رأس الرجاء الصالح مما يعني زيادة في الوقت والتكلفة، يمكن أن تقفز أسعار النفط الى 200 دولار وقد تتجاوز ذلك في حال تزامن الاغلاق مع تعطل مضيق هرمز، حيث يشكل كارثة كبيرة لأسواق الطاقة العالمية، خصوصا للبلدان المستوردة للنفط، كلبنان مما قد يجعل سعر صفيحة البنزين في لبنان يقارب ال50 دولاراً أو يتجاوزها في حالات معينة هذا اذا تجاوز سعر برميل النفط العالمي عتبة ال200 دولار.
إنها حرب الطاقة، يقول ياغي، فان الولايات المتحدة الأميركية اعتبرت ان الحصار البحري للموانىء الإيرانية أكثر فعالية وأقل كلفة من الأعمال العسكرية المباشرة في تحقيق أهدافها، مشيرا الى ان الهدف المعلن هو خنق قدرة ايران على بيع النفط، وضرب الاقتصاد الإيراني، لكن وفق ياغي، أن الأسباب الحقيقية للحرب، أن يكون لأميركا اليد الطولى في الهيمنة على موارد الخليج النفطية والسياسية والإقليمية خاصة تجاه ايران موضحا، أنه رغم انتاج أميركا للنفط الصخري إلا أن مصافيها مصممة للنفط المتوسط والثقيل مما يجعلها لا تزال معتمدة على نفط الخليج واحتياطي الخليج في محاولة للسيطرة على أمن الممرات والتحكم في الوصول الى الموارد، من هنا نفهم ما جرى في فنزويلا حيث تتصدر قائمة الدول صاحبة أكبر احتياطات نفطية تليها المملكة العربية السعودية ثم ايران ، كندا والعراق، الامارات والكويت وروسيا، كما ذكرنا إنها حرب الطاقة العالمية التي نتحدث عنها حقيقة راهنة فمن يربح حرب الطاقة هو الذي يجمع بين الأمن الطاقي ( نفط وغاز) وبين الاستقلال الطاقي المستقبلي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.