آيزنكوت ونتنياهو: اختلاف في النهج أم في الأوجه؟ / 2

11

بقلم د. ابراهيم العرب

رابعاً: لبنان وإيران.. اختلاف الحسابات واستمرار الردع

من منظور لبناني، لا يجوز افتراض أنّ وصول رئيس حكومة إسرائيلي ذي خلفية عسكرية سيؤدي تلقائياً إلى خفض التصعيد. فآيزنكوت ليس وافداً من خارج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بل هو أحد أبرز الذين تولّوا مسؤوليات قيادية فيها، وترتبط تجربته بمقاربة تقوم على استخدام القوة لتحقيق الردع وفرض كلفة مرتفعة على الخصم. وقد ارتبط اسمه بما يُعرف بـ«عقيدة الضاحية»، التي برزت في النقاشات العسكرية الإسرائيلية بشأن استخدام القوة التدميرية الواسعة ضد البنى التي يُنظر إليها باعتبارها داعمة للقدرات العسكرية للخصم. وهذا الإرث لا يتيح التعامل معه بوصفه ضمانة لسياسة أقلّ قسوة تجاه لبنان.

في المقابل، فإنّ الحذر من فتح جبهات متعددة، أو تفضيل تركيز الجهد العسكري على جبهة محددة، قد يعكسان اختلافاً في تقدير المخاطر والكلفة، لا رفضاً لاستخدام القوة من حيث المبدأ. فالشخص الذي يفضّل عدم خوض حرب على جبهتين قد يكون أكثر انضباطاً في قرار التصعيد، من دون أن يكون أقلّ تشدداً في أهدافه الأمنية.

أما تجاه إيران، فإنّ التمسّك بمنعها من امتلاك سلاح نووي عسكري يشير إلى استمرار أحد أبرز مرتكزات الاستراتيجية الإسرائيلية. وقد تختلف القيادة الجديدة عن نتنياهو في تقدير دور الدبلوماسية، أو في مستوى التنسيق مع واشنطن، أو في توقيت اللجوء إلى القوة، لكنّ هذه الفروق لا تكفي وحدها للقول إنّ التحوّل الاستراتيجي أصبح أمراً مرجّحاً.

وبالنسبة إلى لبنان تحديداً، فإنّ أيّ رهان على تغيير القيادة الإسرائيلية ينبغي أن يستند إلى مؤشرات ملموسة: احترام السيادة اللبنانية، ووقف الاعتداءات، والالتزام بالترتيبات الدولية، والاستعداد لمعالجة النزاعات بالوسائل الدبلوماسية. أمّا الحديث العام عن الاستقرار والاتفاقات الإقليمية، فلا يشكّل بحدّ ذاته ضمانة لأيّ من هذه النتائج.

 خامساً: الولايات المتحدة والعلاقات الدولية.. تغيير في الصورة أم في السياسة؟

قد يكون آيزنكوت أقدر على ترميم العلاقات مع بعض الدوائر السياسية الغربية، ولا سيّما إذا اعتمد خطاباً أقلّ تصادمية، وأظهر استعداداً أكبر للتنسيق مع الولايات المتحدة في إدارة الأزمات. فإسرائيل تواجه تحدياً لا يتصل فقط بعلاقاتها مع الحكومات، بل أيضاً بتراجع الثقة بها لدى قطاعات من الرأي العام الدولي، في ظلّ تداعيات الحرب في غزة والانتقادات المتصلة بالقانون الدولي. لكنّ تحسين العلاقات الخارجية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات التي أثارت الانتقادات. فقد تتمكّن قيادة جديدة من استعادة قدر من القبول الدولي، من دون أن تتراجع عن الاستيطان أو تعترف بالحقوق الفلسطينية أو تغيّر قواعد استخدامها للقوة.

وهنا ينبغي التمييز بين شرعية السياسة وفاعلية تسويقها. فقد يكون رئيس الحكومة أكثر قدرة على شرح مواقف بلاده وإقناع حلفائها بها، لكنّ نجاحه الدبلوماسي لا يحوّل السياسة الخاطئة إلى سياسة عادلة، ولا يعفيها من الخضوع لمعايير القانون الدولي. ومن ثمّ، فإنّ استعادة الثقة الدولية ستكون ذات قيمة حقيقية إذا تحوّلت إلى أداة لمراجعة القرارات، لا إلى وسيلة لتخفيف الضغوط التي تدفع نحو تلك المراجعة.

سادساً: الائتلاف الحكومي وحدود القرار السياسي

لا يمكن فصل مستقبل سياسات آيزنكوت عن طبيعة الائتلاف الذي قد يقوده. فالنظام البرلماني الإسرائيلي يجعل تشكيل الحكومة واستمرارها مرتبطين بتأمين أغلبية في الكنيست، الأمر الذي يفرض على رئيس الحكومة تقديم تنازلات لشركائه، حتى عندما تتعارض هذه التنازلات مع بعض تعهداته الانتخابية.

وقد يكون الاتفاق على إنهاء حكم نتنياهو كافياً لتقريب قوى سياسية متباينة، لكنه لا يكفي بالضرورة لتوحيدها حول برنامج واضح بشأن الدولة الفلسطينية أو الاستيطان أو مستقبل غزة أو العلاقة مع إيران ولبنان. ومن هنا، قد يجد آيزنكوت نفسه أمام مفاضلة صعبة: إما الحفاظ على تماسك الائتلاف من خلال تجنّب القرارات المثيرة للخلاف، وإما المضيّ في إصلاحات سياسية وأمنية قد تهدّد بقاء حكومته.

وهذا العامل لا يقلّ أهمية عن مواقفه الشخصية. فليس كل ما يريده رئيس الحكومة يستطيع تنفيذه، وليس كل ما يعلنه في المعارضة يمكنه الالتزام به عندما يصبح مسؤولاً عن ائتلاف تحكمه حسابات متعارضة.

ومع ذلك، لا ينبغي اتخاذ القيود الائتلافية ذريعة مسبقة لتبرير كلّ تراجع محتمل. فطريقة تعامل القيادة مع هذه القيود تكشف بدورها طبيعة أولوياتها، ومدى استعدادها لتحمّل الكلفة السياسية دفاعاً عن خيارات تعتبرها ضرورية.

سابعاً: قد يتغيّر رئيس الحكومة ويبقى الصراع على حاله

إنّ المقارنة بين غادي آيزنكوت وبنيامين نتنياهو لا تحتمل حكماً مبسّطاً يضع الرجلين في مرتبة واحدة، كما لا تبرّر اعتبار الأول نقيضاً كاملاً للثاني. فقد يكون آيزنكوت أكثر ميلاً إلى العمل المؤسسي، وأقلّ اندفاعاً في الخطاب، وأكثر استعداداً للتنسيق مع الحلفاء والبحث عن مخارج دبلوماسية. وهذه فروق يمكن أن تكون لها نتائج عملية مهمّة، ولا يصحّ التقليل من شأنها.

لكنّ الاعتدال في الأسلوب لا يساوي بالضرورة الاعتدال في الأهداف، والخبرة العسكرية لا تعني تلقائياً القدرة على إنتاج السلام. فالمعيار الأهم يبقى موقف القيادة من الاحتلال والاستيطان والحقوق الفلسطينية، ومن حدود استخدام القوّة، ومن سيادة الدول المجاورة وأمن شعوبها.

وبالنسبة إلى لبنان، فإنّ السؤال ليس ما إذا كان آيزنكوت أقلّ صخباً من نتنياهو، بل ما إذا كان مستعداً للانتقال من فرض الردع بالقوة إلى احترام السيادة والالتزام بالتسويات. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، ليس المطلوب إدارة أكثر كفاءة للاحتلال، بل إنهاؤه والاعتراف بحقهم في تقرير مصيرهم. أما إقليمياً، فلا يمكن بناء استقرار مستدام على معادلة تحتفظ فيها إسرائيل بحق استخدام القوّة بلا أفق سياسي واضح لمعالجة أسباب الصراع.

لهذا، فإنّ الحكم على آيزنكوت يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الوقائع، لا أن يُحسم سلفاً بالتفاؤل أو التشاؤم. فقد يكون وصوله بداية تغيير في طريقة الحكم، وربما يفتح نافذة لقرارات مختلفة؛ لكنّ ذلك لا يصبح تحوّلاً استراتيجياً إلا عندما تتغيّر السياسات نفسها.

فالفرق بين نتنياهو وآيزنكوت لن يُحسم في نبرة الخطاب، ولا في الصورة أمام الجمهور، بل في اللحظة التي يصبح فيها احترام حقوق الآخرين أكثر من مجرد خيار دبلوماسي، ويغدو إنهاء الصراع هدفاً سياسياً يتقدّم على إدارته. عندها فقط يمكن الحديث عن تغيير في النهج، لا عن تغيير في الوجوه.

 د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.