حديث رمضان_”رمضان في زمن المحنة … نور لا ينطفىء”
النائب د. بلال الحشيمي
الناس في البقاع اليوم لا يعيشون رمضان في ظروف اعتيادية. أصوات الضرب والقصف الإسرائيلي، أخبار التهجير، القلق على الأهل والأرض، كلها تحضر في تفاصيل النهار. ومع ذلك، يدخل رمضان كقوة داخلية لا تنكسر. كأن هذا الشهر يأتي ليحمي ما تبقّى من السكينة في القلب، حين تضطرب الأرض تحت الأقدام.
في أجواء التوتر، يصبح الصوم أعمق من مجرد امتناع عن الطعام. هو فعل صمود. حين يختار الإنسان أن يصبر بإرادته، رغم الخوف والقلق، فإنه يعلن أن داخله أقوى من الخارج. الجوع هنا ليس امتحانًا للجسد فقط، بل تثبيت للمعنى: لسنا مجرد ردّ فعل على ما يجري حولنا.
الفجر في هذه الأيام يحمل رهبة مضاعفة. الدعاء ليس روتينًا، بل حاجة حقيقية. الأم التي تقلق على أولادها، والأب الذي يخشى على بيته، والشاب الذي يفكّر في مستقبله — كلهم يقفون عند لحظة السحور بشعور مختلف. هناك انكسار صادق، لكنه ليس يأسًا. إنه رجاء ممزوج بالوعي بأن الحماية أولًا وأخيرًا من الله.
وحين يحين المغرب، تجتمع العائلة رغم القلق. قد يكون بعضهم نازحًا، قد تكون البيوت متباعدة، لكن قيمة الاجتماع تزداد في أوقات الخطر. الإفطار يتحول إلى لحظة تمسّك بالحياة. الرسالة واضحة: لن نترك الخوف يسلبنا إنسانيتنا، ولن نسمح للتهجير أن يمحو روابطنا.
صلاة التراويح في هذه المرحلة تكتسب معنى مضاعفًا. الوقوف في صف واحد ليس مجرد عبادة، بل إعلان وحدة. الدعاء يرتفع بنبرة أصدق، والآيات تُسمَع بقلب مفتوح على الألم والأمل معًا. في ظل القصف، تصبح الطمأنينة فعل مقاومة داخلية؛ مقاومة القلق والانكسار.
كما أن التكافل يشتدّ في هذه الأيام. العائلات تستقبل نازحين، والبيوت تتشارك ما تملك. قد تكون الإمكانيات محدودة، لكن الحسّ الجماعي يتقدّم. في أوقات الشدة، يظهر المعدن الحقيقي للمجتمع. السؤال عن الجار، المساعدة الصامتة، فتح الأبواب — كلّها تعبير عن وعي بأن التضامن هو خط الدفاع الأول.
رمضان في ظل التهجير ليس احتفالًا شكليًا، بل اختبار أخلاقي. هل نحافظ على هدوئنا؟ هل نضبط لغتنا؟ هل نمنع الخوف من أن يتحوّل إلى قسوة؟ الصوم يذكّرنا بأن ضبط النفس واجب حتى حين تُستفزّ المشاعر. القوة الحقيقية هي ألا يتحوّل الألم إلى فقدان للبوصلة.
وفي العشرة الأواخر، يزداد الإحساس بأن السماء أقرب. الناس تبحث عن ليلة قدر تغيّر الأقدار، أو تخفف وطأة ما نعيشه. الدعاء يتركز حول الحماية، حول العودة الآمنة، حول انتهاء العدوان، حول بقاء الأرض لأهلها بكرامة. هذه الليالي تصبح مساحة التقاء بين الضعف البشري والرجاء الإلهي.
رمضان في زمن القصف ليس زمن انسحاب، بل زمن تثبيت. تثبيت القيم، تثبيت الإيمان، تثبيت التماسك الاجتماعي. قد تُهجَّر العائلات من بيوتها، لكن لا تُهجَّر من مبادئها. وقد يُقصف الحجر، لكن لا يُقصف الصبر.
هكذا يعيش الناس رمضان اليوم في البقاع: بقلق مشروع، لكن بإيمان راسخ. يعرفون أن المرحلة صعبة، لكنهم يدركون أيضًا أن التماسك هو السبيل الوحيد. وفي هذا الشهر، يتجدد الأمل بأن بعد الشدة فرجًا، وأن الصابرين لا يضيع حقهم.
النائب د. بلال الحشيمي
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.