مَن عدوّ لبنان… إسرائيل أم إيران؟

64

كتب عوني الكعكي:

قد يبدو هذا التساؤل غريباً عجيباً لأوّل وهلة، لكن المتعمّق في تاريخ علاقات لبنان بإيران وبإسرائيل، يجد الجواب سهلاً من حيث المبدأ… فإسرائيل بالتأكيد هي عدوّة لبنان الأولى.

أما من حيث الممارسة، فالجواب يختلف بالتأكيد.. الجواب هو أنّ إيران وإسرائيل أسوأ من بعض، إذا اتبعنا معايير علاقتهما بلبنان.

صحيح أنّ إيران ساعدت اللبنانيين أثناء الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، يوم اجتاحت إسرائيل لبنان وصولاً للعاصمة اللبنانية بيروت وحصارها مائة يوم، وقصف العاصمة بمختلف أنواع الأسلحة وأحدثها، من البر والبحر والجو، ولن ننسى أنّ إسرائيل باحتلالها بيروت كانت تسجل سابقة تاريخية باحتلالها أوّل عاصمة عربية في تاريخها.

ولن ننسى أيضاً القول بأنّ احتلال بيروت لم يدم أكثر من ثلاثة أيام على أثر إقدام المناضل خالد علوان بإشهار مسدسه وقتل ثلاثة ضباط إسرائيليين في «الويمبي» أحد مقاهي منطقة الحمراء. وهو أشهر مكان في العاصمة اللبنانية.

كما يسجّل لإيران مساعدة لبنان… ولكن يؤخذ عليها أيضاً أنّ مساعداتها اقتصرت على مذهب واحد من اللبنانيين، ولون واحد، ولم تكن مساعداتها حبّاً بلبنان واللبنانيين، بل كان الهدف تصدير الثورة الإسلامية، وتحويل لبنان -كما غيره- من البلدان الى جزء تابع لـ«ولاية الفقيه»، ومشروع التشيّع، و«ولاية الفقيه» جاء به آية الله الخميني منذ وصول نظام «الملالي» الى حكم إيران عام 1978 بعد إزاحة الشاه.

كذلك، لن ننسى أنّ نظام «الملالي»، وبهدف نشر مشروع «ولاية الفقيه» والتشيّع، وعند تسلمه الحكم في إيران، حوّل سفارة إسرائيل في طهران الى سفارة لدولة فلسطين، وراحت التظاهرات تجول شوارع إيران، معلنة دعمها للقضية الفلسطينية، وأبدت عداءها لأميركا وإسرائيل تحت شعاري: «أميركا الشيطان الأكبر وإسرائيل الشيطان الأصغر».

ولإغراق الناس بوهم دعم فلسطين أنشئ «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني رسمياً بين عامي 1989 و1990، بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، وذلك بهدف حصر العمليات العسكرية والاستخباراتية الخارجية لإيران في وحدة مركزية واحدة لدعم استراتيجية «تصدير الثورة».

وبما أنّ الشيء بالشيء يذكر، فإنه وقبل تأسيس «فيلق القدس» كما أشرنا وتحديداً في 22 أيلول (سبتمبر) 1980 نشبت الحرب بين إيران والعراق، والتي استمرت ثماني سنوات، إذ توقفت في آب (أغسطس) عام 1988، وهي الحرب التي جرت في ظاهرها بسبب السيادة على ممر شط العرب المائي، في حين أن السبب الحقيقي هو دحر الجيش العراقي وإضعاف صدّام حسين الذي كان يهدّد إسرائيل بجيشه القوي.

والمراقبون والمتابعون جميعهم يعرفون تماماً ما آلت إليه هذه الحرب من تدمير كلّ من البلدين وإضعاف قوتهما العسكرية، الى خسائر مادية كبيرة جداً، وأتذكر هنا قول الخميني عند توقيع الاتفاق: «أنا أتجرّع السم».

وبتأسيس «فيلق القدس»، وتوّلي قاسم سليماني قيادته، فرض الأخير على العراق دفع خمسمائة مليون دولار شهرياً كخوّة من أموال النفط العراقي، يموّن من خلال هذا المبلغ أذرع وميليشيات إيران الشيعية في كل من لبنان (حزب الله)، وسوريا (نظام بشار الأسد وجماعته)، والحوثيون في اليمن، وميليشيات الحشد الشعبي وأنصار الله ومختلف الميليشيات الشيعية في العراق، ولا يمكن لأحد نسيان ما قاله المسؤولون الإيرانيون بفخر: نحن نسيطر على 4 عواصم عربية هي: دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء.

ومما زاد الطين بلّة، أن التدخل الإيراني في سياسات الدول التي «تحوي» هذه الميليشيات، ومنها لبنان من خلال حزب الله. استطاع حزب الله وبمساندة جميع اللبنانيين وإجماعهم على تحرير لبنان عام 2000. واحتفل اللبنانيون بيوم النصر… واعترف الجميع بأنّ المقاومة بذلت جهوداً جبارة لإجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان من دون قيد ولا شرط.

وليت الحزب اكتفى بما فعل، وقدّم سلاحه للدولة بعد التحرير، بل عاد الحزب عام 2006 وهي ما تسمّى بـ«حرب تموز»، عندما نفّذ مقاتلو حزب الله هجوماً عبر الحدود على دورية من الجيش الإسرائيلي في منطقة الخط الأزرق الحدودي، أسفر الهجوم عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين وأسر جنديين.

وأعلن الحزب يومذاك أنّ الهدف من العملية هو فرض عملية تبادل من أجل إطلاق سراح أسرى من الحزب، وانتهت بكارثة على لبنان، قال السيّد حسن يومذاك: «لو كنت أعلم».

وجاءت الطامّة الكبرى بحرب «إسناد غزة» في الثامن من تشرين الأول (اكتوبر) عام 2023، وذلك في اليوم الثاني لانطلاق عملية «طوفان الأقصى»، وبدأ الحزب بإطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه المواقع العسكرية الإسرائيلية. وهذه الحرب أعادت التركيز من حلفاء الممانعة على شعار «وحدة الساحات».

ونحن لا بدّ لنا من أن نقدّر الهدف الذي رمى إليه شهيد فلسطين السيّد حسن، بأنه كان صادقاً في توجهاته ودعمه للقضية الفلسطينية.

ويشير المراقبون الى ان جبهات الإسناد تلك لم تفعل شيئاً، إلاّ تحويل الأنظار عمّا يجري فعلياً داخل غزة، إذ تسلمت إسرائيل بمشروعية الدفاع عن النفس، ومن هنا عمدت الى سياسة الاغتيالات للقضاء على قادة حماس وحزب الله، وجلبت الدمار لكل القوى المساندة.

وأبرز ما حدث في لبنان عملية تفجير أجهزة الاتصال يوم الثلاثاء في 17 أيلول 2024، ومن ثمّ اغتيال الأمين العام السابق شهيد فلسطين السيّد حسن نصرالله بغارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية يوم الجمعة 27 أيلول، في حين استهدف السيّد هاشم صفي الدين الأمين العام الذي خلف ابن خالته السيّد حسن نصرالله وكبار قادة الحزب.

وتم الاتفاق بعد ذلك على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وهو يتضمن وقف الأعمال العدائية ودعم القرار 1701، وسيطرة الشرعية اللبنانية على جنوب الليطاني وانسحاب عناصر الحزب منه.

وأدّت المواجهات الأخيرة والتي عُرفت إعلامياً بحرب الاثني عشر يوماً، الى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة بعد تصعيد عسكري مباشر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وهي الحرب المعروفة بحرب إيران.

و«حرب إيران» وحروب المساندة لها بدأت فعلياً في 8 تشرين الأول (اكتوبر) عام 2023، وقد مرّت بمراحل عدّة آخرها حين تجددت المعارك الكبرى والمواجهات المفتوحة في آذار (مارس) 2026، ودخل الحزب مسانداً لإيران وانتقاماً لمقتل المرشد علي خامنئي في الحرب. وكانت حرب إسناد حزب الله لإيران، ساحة ضغط موازية ولكن بأثمان داخلية متصاعدة. فبعد أكثر من شهر على بدء حرب إسناد إيران التي أطلقها حزب الله عبر 6 صواريخ باتجاه إسرائيل. لكن حرب المساندة هذه أدّت الى تدمير ممنهج قام به الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وبقاعه وضاحيته حتى العاصمة بيروت. كما أدّى الى نزوح أكثر من مليوني ومائتي ألف مواطن من منازلهم.

وتكبّدت ايران وحزب الله خسائر عسكرية وبنيوية يصعب تعويضها. ما أدّى الى تفكك تدريجي لمحور المقاومة.

لكن الأهم مما جرى، هو تحميل اللبنانيين إيران مسؤولية ما حلّ من دمار، بعد انخراط الحزب في حرب مفتوحة. هذا الاتهام سببه أنّ إيران وحزب الله جزء من بنية واحدة عقائدياً وعسكرياً ضمن منظومة «ولاية الفقيه».

هنا سأتوقف رغم تسارع الأحداث المتمثلة بما قدمته «مذكرة التفاهم» بين إيران والولايات المتحدة من وقف لإطلاق النار.. ورغم المفاوضات التي تتتابع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لأعود الى التساؤل الذي بدأت فيه: من عدو لبنان الفعلي… إسرائيل أم إيران؟

aounikaaki@elshark.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.