آيزنكوت ونتنياهو: اختلاف في النهج أم في الأوجه؟ / 1

4

بقلم د. ابراهيم العرب
ليس كلّ تغيير في القيادة تغييراً في السياسة، كما أنّ الاختلاف بين السياسيين لا يعني بالضرورة اختلافاً في المشروع الذي يسعون إلى تحقيقه. ومن هذه الزاوية، ينبغي مقاربة احتمال وصول غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، إلى رئاسة الحكومة خلفاً لبنيامين نتنياهو. فالسؤال لا يتعلّق فقط بما إذا كان آيزنكوت أكثر انضباطاً في خطابه، أو أكثر قدرة على ترميم علاقات إسرائيل الخارجية، بل بما إذا كان مستعداً لمراجعة الأسس السياسية والأمنية التي حكمت تعاملها مع الفلسطينيين ولبنان وإيران.
قد يمثّل آيزنكوت بديلاً سياسياً لنتنياهو، وربما يقدّم نموذجاً مختلفاً في إدارة الدولة ومؤسساتها. لكنّ البديل عن شخص لا يكون بالضرورة بديلاً عن نهجه، ولا سيّما حين تتقاطع مواقف المتنافسين عند المسائل التي تمسّ جوهر الصراع. ومن هنا، فإنّ التقدير الأكثر واقعية لا يقوم على افتراض التطابق الكامل بين الرجلين، ولا على المبالغة في تصوير أحدهما نقيضاً للآخر، بل على التمييز بين ما يمكن أن يتغيّر في أسلوب الحكم وما قد يبقى ثابتاً في جوهر السياسة الإسرائيلية.
أولاً: من أزمة نتنياهو إلى البحث عن قيادة بديلة
ارتبط عهد نتنياهو باستقطاب سياسي حاد، وتوسّع استيطاني متواصل، وتصعيد عسكري خلّف تداعيات إنسانية وسياسية واسعة، ولا سيّما في قطاع غزة. كما شهدت علاقات إسرائيل بعدد من حلفائها الغربيين توترات متزايدة، على خلفية إدارة الحرب وطبيعة الأهداف المعلنة لها، فضلاً عن الخلافات المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية.
في هذا السياق، يقدّم آيزنكوت نفسه بوصفه شخصية قادرة على استعادة الثقة بالمؤسسات، وتحسين إدارة القرار، وإعادة بناء العلاقات الخارجية. وتمنحه خلفيته العسكرية صورة القائد الذي يميل إلى الحسابات العملية وتقدير المخاطر، فيما تمنحه انتقاداته لأداء القيادة الإسرائيلية بعد هجوم السابع من أكتوبر فرصة لتقديم نفسه بديلاً عن النهج الذي قاد البلاد إلى تلك الأزمة.
غير أنّ الانتقال من نقد الأداء إلى مراجعة الخيارات الاستراتيجية ليس أمراً تلقائياً. فقد يعترف السياسي بأخطاء القيادة، من دون أن يعيد النظر في الأهداف التي سعت تلك القيادة إلى تحقيقها. وقد يختلف مع سلفه في تقدير الوسائل والتوقيت والكلفة، فيما يظلّ متفقاً معه على تعريف المصالح الأمنية وحدود الحقوق التي ينبغي الاعتراف بها للآخرين. لذلك، فإنّ الاختبار الأول لآيزنكوت لن يكون في قدرته على إنهاء حقبة نتنياهو، بل في مدى استعداده لمراجعة السياسات التي أسهمت في إنتاج أزماتها.
ثانياً: بين إدارة الاحتلال وإنهائه في الأراضي الفلسطينية
تظهر حدود الاختلاف بين الرجلين بوضوح أكبر في المسألة الفلسطينية. فالمواقف المنسوبة إلى آيزنكوت لا تسمح بتصنيفه ضمن تيار إسرائيلي يتبنّى بوضوح إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة. وهو يتمسّك، وفق مواقفه المعلنة، بدور أمني إسرائيلي واسع في المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع إبداء استعداد لمنح الفلسطينيين مساحة أوسع من الإدارة الذاتية، ضمن ترتيبات لا تنهي السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وقد يبدو هذا التصوّر أقلّ صدامية من خطاب اليمين المتطرف، خصوصاً إذا اقترن بمعارضة اعتداءات المستوطنين، وضبط التوسّع الاستيطاني، وتخفيف القيود المفروضة على الفلسطينيين. لكنّ المسألة لا تُقاس بمدى اختلاف الخطاب، بل بطبيعة الحقوق السياسية التي يقرّ بها. فهناك فرق جوهري بين تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال وبين إنهاء الاحتلال نفسه. كما أنّ توسيع صلاحيات الإدارة الفلسطينية لا يعادل الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. وقد يخفّف النهج الأكثر براغماتية بعض مظاهر المعاناة، لكنه لن يبدّل حقيقة الصراع ما لم يتناول جذوره السياسية والقانونية.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التوقف عندها: إذا كان آيزنكوت يريد تجنّب واقع الدولة الواحدة، حيث يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون ضمن فضاء جغرافي واحد وتحت سلطات متفاوتة، فإنّ رفض السيادة الفلسطينية لا يقدّم حلاً لهذه المعضلة، بل قد يكرّسها بصيغة أخرى.
وعليه، فإنّ الفارق الحقيقي بينه وبين نتنياهو في هذا الملف لن يتحدّد بمدى اعتدال عباراته، بل بمدى استعداده للانتقال من إدارة السكان الفلسطينيين إلى الاعتراف بهم أصحابَ حقوق سياسية لا يجوز اختزالها في الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
ثالثاً: غزة بين منطق الحسم العسكري ومتطلبات التسوية
في قطاع غزة، قد يختلف آيزنكوت عن نتنياهو في تحديد أولويات الحرب، وفي تقدير جدوى استمرار العمليات العسكرية، وفي البحث عن مخرج سياسي يتيح ترتيب أوضاع القطاع. لكنّ هذا الاختلاف، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة التخلي عن المقاربة الأمنية التي تضع إضعاف القدرات العسكرية لحركة حماس في صدارة الأهداف الإسرائيلية.
فالمشكلة لا تكمن فقط في الوسائل العسكرية المستخدمة، بل أيضاً في غياب تصوّر سياسي قابل للحياة لليوم التالي للحرب. إذ لا يمكن للقوّة العسكرية وحدها أن تنتج استقراراً مستداماً، ولا يمكن لإدارة القطاع أن تستقرّ من دون معالجة مسألة الحكم والشرعية وإعادة الإعمار والحقوق الوطنية الفلسطينية.
وقد يتيح وصول قيادة جديدة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، والقبول بتسويات لم يكن نتنياهو مستعداً لتحمّل كلفتها السياسية. غير أنّ هذه الإمكانية تبقى رهناً بقرارات فعلية، لا بمجرد اعتماد لغة أكثر واقعية.
فإذا اقترنت الدبلوماسية بجدول زمني واضح لوقف الحرب، وبترتيبات تضمن الانسحاب وتمنع تجدد المواجهات وتفتح أفقاً سياسياً للفلسطينيين، أمكن الحديث عن اختلاف ذي مضمون. أما إذا اقتصرت على إعادة تنظيم استخدام القوة أو استبدال شعار النصر المطلق بأهداف عسكرية أكثر قابلية للتحقيق، فإنّ التغيير سيظلّ محصوراً في إدارة الحرب، لا في تجاوز منطقها.
يتبع غداً
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.