حرب النظّارات… حين تصطدم الشعارات بالواقع

5

بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
هناك مشكلة أساسية في الحياة السياسية اللبنانية، تتمثّل في أنّ بعض السياسيين يتعاملون مع الواقع كما يتمنّون أن يكون، لا كما هو فعلًا.
فهم يبالغون في رفع سقف الشعارات والمواقف، سواء في إطلالاتهم التلفزيونية أو في تصريحاتهم اليومية، من دون تقديم تصوّر عملي لترجمتها إلى واقع ملموس، أو توضيح سبل تجاوز العقبات ومواجهة المخاطر التي قد تعترض تحقيقها، وكأنّ تكرار المطالب كفيل بتحويل الشعارات إلى حقائق.
وهذا ما يؤكّده القول الشهير: «الحرب بالنظّارات هيّنة».
فالسياسة لا تُدار بالتمنّيات، بل بقراءة واقعية لموازين القوى، والتمييز بين ما نطمح إليه وما نستطيع تحقيقه.
وفي لبنان، تتجلّى هذه الفجوة بوضوح في قضية سلاح حزب الله، حيث تتكرّر الدعوات إلى نزعه أو تسليمه، وتتوالى المطالبات الموجّهة إلى رئيس الجمهورية والدولة والجيش بوضع هذا الهدف موضع التنفيذ.
لكنّ السؤال الجوهري هو: هل يكفي إعلان المواقف، أم أنّ المسؤولية السياسية تفرض تقديم خطة واضحة تحدّد كيفية تحقيق هذا الهدف، والوسائل المتاحة، والمخاطر المترتّبة عليه؟
فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبّدها حزب الله، ولا سيّما استشهاد أمينه العام السيد حسن نصرالله وعدد كبير من قياداته خلال حرب الإسناد بمرحلتيها الأولى والثانية، لا يزال الحزب متمسّكًا بسلاحه، ولا يُستبعد أن يكون مستعدًّا لاستخدامه مجددًا في حال اندلاع حرب إسناد ثالثة، بما يعكس استمرار ارتباط قراره العسكري بالتطوّرات الإقليمية.
وهذا يؤكّد أنّ معالجة الملف لا يمكن أن تتمّ بمجرّد إطلاق المواقف، في ظلّ ارتباط خيارات الحزب، وفق قراءات سياسية، بالتطوّرات الإقليمية ومسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، وما قد تفضي إليه من تفاهمات أو تحوّلات تنعكس على لبنان.
غير أنّ ارتباط هذا الملف بالتطوّرات الإقليمية لا يعفي الدولة من مسؤوليتها، كما لا يجوز أن يتحوّل انتظار نتائج التفاهمات الخارجية إلى ذريعة لتأجيل المعالجة الداخلية.
فلبنان ليس مجرّد ساحة تتلقّى نتائج الصراعات الإقليمية، بل دولة ينبغي أن تسعى إلى تعزيز مؤسساتها، وتكريس حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، وحصرية قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها الدستورية.
لكنّ تحقيق هذا الهدف يطرح معضلة أساسية: كيف يمكن تسليم سلاح حزب الله من دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية باهظة الكلفة؟
إنّ اللجوء إلى القوة لفرض نزع السلاح، في ظلّ الظروف الراهنة والانقسامات الحادّة التي تشهدها البلاد، ينطوي على مخاطر جسيمة قد تفتح الباب أمام حرب داخلية يصعب ضبطها واحتواء تداعياتها.
ويُضاف إلى ذلك أنّ الحزب مكوّن لبناني لا يمكن إلغاؤه، ما يجعل الحوار والتسوية ضرورة لتجنّب التصعيد وتحقيق الاستقرار.
فالمسألة لا تتعلّق فقط بقدرة الدولة على اتخاذ القرار، بل أيضًا بكيفية تنفيذه، وبما قد يترتّب عليه من أثمان يدفعها اللبنانيون جميعًا.
وهذا ما يسعى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى تحقيقه، من خلال العمل على تجنيب لبنان مواجهة خارجية جديدة، ومعالجة ملف السلاح بالحوار، تفاديًا لأي مواجهة داخلية، ومن دون التفريط بحق الدولة في بسط سلطتها على كامل أراضيها.
فتجنّب الحرب لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، كما أنّ التمسّك بسيادة الدولة لا يبرّر تجاهل موازين القوى والمخاطر التي قد ترافق محاولة فرض نزع السلاح بالقوة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى حوار وطني برعاية رئيس الجمهورية، يجمع الدولة اللبنانية وحزب الله لمناقشة كيفية معالجة ملف السلاح، ووضع مسار عملي يفضي إلى تكريس حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، مع تجنيب البلاد مخاطر المواجهة الداخلية.
ولكي يكون هذا الحوار منتجًا، ينبغي أن يستند إلى جدول أعمال واضح، والتزامات متبادلة، وخطوات قابلة للتنفيذ والتقييم، بعيدًا عن اللقاءات الشكلية والوعود المؤجّلة.
كما يتطلّب استعدادًا جدّيًا من حزب الله للانخراط في نقاش صريح حول مستقبل سلاحه، ومناخًا سياسيًا يمكّن رئيس الجمهورية من ممارسة دوره الوطني والدستوري بعيدًا عن الضغوط والمزايدات.
وقد يرى البعض أنّ الحوار لن يفضي إلى نتيجة، انطلاقًا من قناعة بأنّ حزب الله لن يتخلّى عن سلاحه، ولا سيّما في ضوء التصريحات المنسوبة إلى قياداته التي تؤكّد تمسّكه به.
لكنّ التشكيك في فرص الحوار لا يكفي لإغلاق بابه ما لم يُطرح بديل عملي قابل للتنفيذ.
فهل يكون الحلّ في انتظار تغيّر الظروف الإقليمية، أم في الرهان على ضغوط خارجية قد لا تحقّق النتائج المرجوّة، أم في اللجوء إلى القوة، مع ما قد يرافق ذلك من مخاطر على السلم الأهلي والاستقرار؟
إنّ الواقعية السياسية تقتضي ألّا يبقى لبنان رهينة المتغيّرات الخارجية، بل أن يعمل على تحصين وضعه الداخلي وتعزيز مؤسساته، بما يمكّنه من حماية مصالحه وصون سيادته.
لبنان اليوم أمام اختبار حقيقي لمسؤولية قياداته السياسية؛ فالأولوية ليست استقطاب التصفيق عبر رفع سقف الخطاب، بل حماية البلد وفتح الطريق أمام قيام دولة قوية تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم.
فالحرب بالنظّارات قد تبدو سهلة، وإطلاق الشعارات لا يكلّف أصحابها الكثير، لكنّ حسابات الواقع مختلفة، وثمن المغامرات يدفعه اللبنانيون جميعًا.
فالمسؤولية السياسية لا تُقاس بعلوّ الشعارات، بل بالقدرة على تحويل الأهداف الوطنية إلى مسار واقعي قابل للتنفيذ، يجمع بين التمسّك بسيادة الدولة وحماية الاستقرار، من دون أن يدفع لبنان ثمن مغامرة جديدة.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.