حديث الجمعة_”التقوى الصادقة.. منهج حياة”

8

ليست التقوى مجرّد كلمات تُقال باللسان، أو عبادات يؤدّيها الإنسان بجوارحه، بل هي منهج حياة يقوم على مراقبة الله تعالى، والابتعاد عمّا حرّم، والالتزام بأوامره، ابتغاء مرضاته وخوفًا من عقابه. وهي أساس صلاح الإنسان، وطريقه إلى السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.
فالعبادة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الأعمال الصالحة الظاهرة وحدها، بل تشمل أيضًا مجاهدة النفس، وكفّها عن المعاصي، والابتعاد عن كلّ ما يُغضب الله تعالى. وقد جاء في الحديث الشريف: «اتَّقِ المحارمَ تكن أعبدَ الناس».
يظنّ بعض الناس أنّ العبادة تقتصر على الصلاة والصيام وقراءة القرآن الكريم والصدقة، وهي أعمال جليلة عظيمة الأجر، لكنّ مفهوم العبادة أوسع من ذلك؛ فكما يتقرّب المسلم إلى الله بفعل الطاعات، فإنّه يتقرّب إليه أيضًا بترك ما حرّم، امتثالًا لأمره وابتغاءً لمرضاته.
فقد يكون الإنسان قادرًا على الكذب لينجو من موقف محرج، أو على أخذ حقّ غيره من دون أن يراه أحد، أو على ارتكاب معصية في الخفاء، لكنّه يمتنع عن ذلك لأنّه يعلم أنّ الله مطّلع عليه في كلّ حين. هنا تتجلّى حقيقة الإيمان، حين يختار الإنسان رضا الله على هوى نفسه، ويقدّم طاعته على مصلحته العاجلة.
فليس المتّقي من يفعل الخير أمام الناس فحسب، بل من يمتنع عن الشرّ حين يستطيع فعله، ولا يمنعه منه أحد سوى خوفه من الله ورجاؤه في رضاه.
ولا تكتمل تقوى الإنسان إذا أحسن عبادته وأساء معاملته للآخرين؛ فالإسلام يدعو إلى الجمع بين أداء حقّ الله وحفظ حقوق العباد.
فالتقوى الصادقة تظهر في الصدق والأمانة والعدل والرحمة، وفي حفظ اللسان من الغيبة والبهتان، واليد من الظلم والاعتداء، وفي أداء الحقوق إلى أصحابها، مهما كانت الظروف والمصالح، وأن يكون الإنسان مستقيمًا في السرّ كما هو في العلن، فلا يُظهر الصلاح أمام الناس، ثمّ يتساهل في المحرّمات حين يغيبون عنه.
والتقوى الحقيقية أن تستحي من الله في الخلوة كما تستحي من الناس في العلانية، وأن يكون رضا الله أعظم عندك من رضا الخلق. قال الله تعالى: ” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ” ( سورة النازعات).
ومهما حرص الإنسان على الطاعة، فقد يضعف ويقع في بعض الذنوب؛ فالبشر ليسوا معصومين من الخطأ. لكنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في وقوع الإنسان في الذنب وحده، بل في الإصرار عليه، والاستهانة به، والابتعاد عن التوبة والإصلاح.
أمّا المؤمن الصادق، فإذا أخطأ عاد إلى ربّه نادمًا، واستغفره، وعزم على ألّا يعود إلى الذنب، وسعى إلى إصلاح ما أفسده، وردّ الحقوق إلى أصحابها إذا تعلّق الخطأ بحقوق الآخرين، قال تعالى: ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” (سورة الزمر).
فالتقوى ليست أن يدّعي الإنسان أنّه لا يخطئ، بل أن يكون سريع الرجوع إلى الله إذا أخطأ، وألّا يسمح للذنب أن يتحوّل إلى عادة، أو للخطأ أن يصبح نهجًا في حياته.
إنّ طريق التقوى يبدأ بخطوات واضحة، تحتاج إلى صدق وإرادة ومداومة، ومن أهمّها:
المحافظة على الفرائض: وفي مقدّمتها الصلاة، مع الحرص على سائر الواجبات.
الابتعاد عن المحرّمات: وعدم الاستهانة بالذنوب الصغيرة أو تبرير الخطأ بحجّة أنّ الآخرين يفعلونه.
مراقبة النفس: ومحاسبتها في نهاية كلّ يوم، والسؤال عمّا أحسنت فيه وما قصّرت فيه.
حفظ حقوق الناس: بالصدق والأمانة والعدل، وردّ المظالم إلى أصحابها.
مجاهدة الهوى: والصبر عن المعصية، وعدم الانسياق وراء الشهوة.
الإكثار من الاستغفار والتوبة: والعودة إلى الله كلّما زلّت القدم.
الإحسان إلى الخلق: بالكلمة الطيّبة، والرحمة، والتواضع، ومساعدة المحتاج، والابتعاد عن الأذى والظلم.
ختاماً
إنّ العبادة ليست ساعات يقضيها الإنسان في الصلاة فحسب، بل هي منهج حياة يرافقه في بيته وعمله وعلاقاته وقراراته. والتقوى ليست شعارًا يرفعه المرء، بل حقيقة تظهر حين تتعارض المصلحة مع الأمانة، والشهوة مع الطاعة، والقدرة على الظلم مع واجب العدل.
فلنحرص على أداء ما افترضه الله علينا، واجتناب ما حرّمه، ولنجعل مراقبته ميزانًا لأقوالنا وأفعالنا. وإذا زلّت أقدامنا، فلنعد إليه بالتوبة والاستغفار، من غير يأس من رحمته أو استسلام للخطأ.
ولنتذكّر دائمًا أنّ ترك الحرام طاعة، والصبر عن المعصية عبادة، وحفظ حقوق الناس من التقوى، والإحسان إلى الخلق طريق إلى مرضاة الله.
وما أحوجنا اليوم إلى تقوى لا تقف عند حدود المظاهر، بل تصلح الضمائر، وتضبط السلوك، وتحفظ الحقوق، وتنشر العدل والرحمة بين الناس؛ فبالتقوى يصلح الفرد، وبصلاح الأفراد يصلح المجتمع، وبصدق العبودية لله يرتقي الإنسان في دنياه، ويرجو الفوز برحمته في أخراه.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتّقين الصادقين، وأن يرزقنا الاستقامة في السرّ والعلن، وحسن التوبة، وصدق الإخلاص، وأن يختم لنا بالصالحات، إنّه سميع مجيب.
المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.