“إمّا معنا أو ضدّنا”… واشنطن “تتذكّر” حلفاً ضدّ إيران
بقلم محمد قواص
«أساس ميديا»
استيقظت واشنطن على ثغرة كبرى أهملتها، أو تعمّدت ذلك، في صراعها مع طهران منذ انسحاب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من الاتّفاق النوويّ عام 2018. فرض حينها ما سمّاه “العقوبات التاريخيّة”، ثمّ وسّع وشدّد الأمر في حملته الحاليّة. غير أنّ إيران بدت غير عابئة بعقوبات يسهل الالتفاف عليها بتواطؤ خصوم واشنطن وحلفائها.
تستيقظ واشنطن أيضاً على صعوبة الخيار العسكريّ وارتفاع كلفته. وبدا منطقيّاً أنّ إخضاع إيران وجرّها إلى اتّفاق أكثر تشدّداً من الاتّفاق السابق يحتاج عسكريّاً إلى مستوى من القوّة يساوي أو يتجاوز حجم القوّة المستخدمة في حرب تحرير الكويت أو حربَي إسقاط نظامَي العراق وأفغانستان مثلاً. وطالما أنّ أميركا وحلفاءها ليسوا في مزاج الانخراط في حرب واسعة جديدة، فإنّ خطّة “النبذ الاقتصاديّ” التي تفرضها واشنطن تسعى إلى إقفال منافذ “العيش والبقاء” أمام نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.
“إمّا معنا وإمّا ضدّنا”
لا تملك واشنطن وحدها عصا سحريّة لخنق العدوّ، لكنّها تملك نفوذاً لدى العواصم لإبلاغ الرسالة نفسها التي أطلقتها بعد كارثة “11 سبتمبر/أيلول” عام 2001: “إمّا معنا وإمّا ضدّنا”. حينها كانت الولايات المتّحدة جريحة تحضّر العالم لانتقام لا يحتمل الرماديّة ولا تعدّد وجهات النظر. أمّا هذه المرّة فلا يتعلّق الأمر بـ”جرح”، بل بحاجة إلى إجبار العالم على إنهاء الحرب والاضطلاع بدور في فرض مآلاتها.
وفق صحيفة “وول ستريت جورنال”، تواصلت الولايات المتّحدة مع أكثر من 50 دولة لإبلاغها رسالة خشنة: “إمّا معنا أو ضدّنا” في الصراع مع إيران. تكشف المعلومات أنّ مسؤولاً بارزاً جال في الشرق الأوسط وأوروبا، والتقى ممثّلي تلك الدول، وحذّرهم من استمرار التعامل المصرفيّ أو التجاريّ مع إيران، مهدّداً بضغوط أميركيّة أو عقوبات ثانويّة. واستهدفت الرسالة القطاعات التي تعتبرها واشنطن شرايين حياة للنظام، من التحويلات الماليّة والنفط والشحن والطيران إلى الذهب والأصول الرقميّة.
حمل مندوب وزارة الخزانة الأميركيّة في زياراته مضامين كان قد جاهر بها وزير الخزانة سكوت بيسينت في آب الماضي. قال حينها إنّ أيّ انخراط اقتصاديّ مع النظام الإيرانيّ يعرّض أصحابه لكامل قوّة الولايات المتّحدة. وكانت أنباء تحدّثت آنذاك عن اتّصال أجراه الرئيس دونالد ترامب بقادة دول لحثّهم على وقف التعامل مع طهران، فيما تحرّكت فرق من وزارات الخزانة والخارجيّة والدفاع للقاء نظيراتها، ووضع جداول زمنيّة للامتثال.
إلغاء تراخيص مصارف
ظهر التأثير في بريطانيا أوّلاً. طلبت واشنطن من لندن عدم تجديد ترخيص بنك “ملّي إيران”، وهو أكبر مصرف تجاريّ حكوميّ في إيران، فأعلنت الحكومة البريطانيّة في 23 أيلول الجاري نهجاً أشدّ صرامة، مستهدفة 5 مصارف إيرانيّة مدرجة على قوائم العقوبات، بينها “ملّي” وبنوك إيرانيّة أخرى. وألغت تركيا أيضاً ترخيص فرع بنك “ملّت” في إسطنبول، فيما أوقفت الإمارات التعاملات الماليّة والتجاريّة مع إيران.
يأتي تسريب ديناميّات الضغوط المتصاعدة والخانقة بموازاة ظهور مؤشّرات لافتة على مرونة وانفراج من جانب واشنطن وطهران. تحدّث وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي عن عرض قُدّم إلى واشنطن لفتح المضيق خلال أيّام. وقال الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان إنّ المرشد مجتبى خامنئي داعم له. وحتّى ترامب نفسه تحدّث بتفاؤل عن لقاء إيجابيّ جمع مسؤولين أميركيّين وإيرانيّين. لكنّ واشنطن تريد أن تسبق أيّ انفراج سياسيّ بإشهار مخالبها، وهذه المرّة في وجه العواصم التي “لا تكون معنا” ضدّ إيران.
يمكن ملاحظة أنّ الضغوط الأميركيّة نجحت جزئيّاً. أذعنت دول حليفة أو مرتبطة بالنظام الماليّ الغربيّ، خشية أن تقطع البنوك وصولها إلى الدولار. وتقلّصت قنوات التمويل التقليديّة والرحلات الجوّيّة. وبدا المشهد سوداويّاً بالنسبة إلى إيران إلى درجة تهديدها بمعاملة “الممتثلين” لواشنطن معاملة الأعداء، والذهاب أبعد من ذلك: “إذا منعت طائراتنا من التحليق فلن تحلّق طائرات في المنطقة”.
تسهل هنا مساءلة واشنطن. تستفيد إيران من تواطؤ واسع شبه معلن للصين وروسيا وكوريا الشماليّة، التي تسيطر على مساحة واسعة من شبكات الالتفاف ومسالك الدعم الماليّ والمعلوماتيّ والعسكريّ. ثمّ ماذا تعني التسريبات التي كشفتها “وول ستريت جورنال” وCNN عن دعم صينيّ لإيران بالصور الفضائيّة والمعلومات الاستخباريّة، بعد ساعات من إنهاء الزعيم الصينيّ زيارته “التاريخيّة” لواشنطن؟ ما قيمة تدابير الحلفاء ضدّ إيران مقارنة بإصرار الصين، وطبعاً حلفاء إيران، على عدم الامتثال لخطّة الوزير بيسينت وتهديدات الرئيس ترامب؟
قد تفهم إيران من إنذارات واشنطن وتهديداتها بعظائم الأمور ضدّ “من ليس معنا” استبعاداً نهائيّاً لخيار العودة إلى الحرب، واستماتة في التمسّك بالضغوط الماليّة، وتوسّلاً للعالم للانضمام إلى الحرب الاقتصاديّة، ولو على شكل تهديدات تسوّقها تسريبات “وول ستريت جورنال”. وقد يفهم العالم أنّ أميركا تغادر الموقع الذي كانت تتبوّأه في زمن “11 سبتمبر”، حين كان للشعار وقعه الثقيل. وإذا ما سعت الصين وروسيا إلى استحداث تجمّعات اقتصاديّة تقترح بدائل للتعاملات والنقد والهيمنة الدولاريّة، فإنّ في تهديدات واشنطن ما قد يشجّع رواج البدائل ورعاتها.
أوروبا وكوريا الجنوبيّة متحمّستان
في لندن وباريس، كما في برلين وسيول، تيّار تفكير متقاطع بدأ يعتبر أنّ الانضمام إلى ضغوط واشنطن الاقتصاديّة، خصوصاً إذا ما ظهر تغيير ضاغط في مزاج الصين من إيران بعد مداولات زعيمها مع ترامب، سبيل لتقصير زمن الصراع، وبديل عن توسّع الحرب إلى مساحات قد تشمل تلك العواصم ولو بعد حين. وإذا ما جامل الأوروبيّون مساعي ترامب، فإنّهم بالمقابل سيطالبونه بموقف أكثر توازناً في مسألة حرب أوكرانيا، بعد أن فاجأهم بدعوة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إلى ميامي ليكون معهم في قمّة العشرين أواخر هذا العام.
محمد قواص
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.