الاستثمار في العنف.. أخطر ملامح النظام الدولي الجديد
بقلم سحر ناصر
ثمة مؤشر قد يكشف الوجه الحقيقي للنظام العالمي الجديد أكثر من الأسئلة التقليدية التي تدور حول مَن سيحكمه: الولايات المتحدة أم الصين أم مجموعة من الأقطاب المتنافسة؟ وهو مدى استعداد العالم، بدوله ومنظماته وأفراده، لقبول العنف لمجرد العنف.
تاريخيًا، عرّفت معظم النظريات السياسية والإستراتيجية العنف باعتباره أداة تُستخدم لاحتلال أرض، أو ردع خصم، أو تغيير ميزان قوة، أو فرض شروط للتفاوض، أو حماية الحدود. أما ما يستحق الدراسة اليوم، فهو اتساع ظاهرة العنف من أجل العنف، وذوبان الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض. فما كان يُعدّ قبل أعوام تطرفًا يستوجب الإدانة، أصبح جزءًا من الخطاب السياسي، بل يُقدَّم أحيانًا بوصفه إنجازًا، فيما يُنعت الرافضون له بالجبناء أخلاقيًا.
العنف لم يغادر السياسة يومًا، لكن الأخطر الآن هو تغيّر وظيفته. فعندما تُقدَّم العمليات الاستخباراتية العنيفة، مثل تفجير أجهزة الاتصال، على منبر الأمم المتحدة بوصفها دليلًا على القوة والإنجاز، فإن العنف ينتقل من دائرة المجال الأمني إلى تبرير الجرائم كسياسية دولية. ومع إسرائيل تحديدًا، تبدو العلاقة بين السياسة والعنف أكثر التصاقًا، إذ انتقل الصراع على الأرض إلى العنف على الهوية، بل على الإنسانية نفسها. وما اقتحامات الساسة المتطرفين للمسجد الأقصى، والإبادة التي نزلت بأطفال غزة على مرأى العالم، إلا شواهد على منطق يتجاوز استخدام العنف كوسيلة، إلى تطبيعه كغاية بحدّ ذاته.
هذه الظاهرة لا تنحصر في مكان واحد، على الرغم من اختلاف الدرجات والسياقات والأنظمة. فمن النموذج الذي تقدمه إسرائيل لما تسميه شرق أوسط جديدًا، إلى الخطاب السياسي اليميني المتطرف الذي أسهم في صعود دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، وصولًا إلى أحزاب اليمين المتشدد في أوروبا التي حققت تقدمًا لافتًا في سلسلة من الجولات الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، تبدو السياسة أكثر قابلية لاستيعاب خطاب الإلغاء. ووصل هذا التحول إلى الهند أيضًا، حيث يتفاقم الحضور السياسي للقومية الهندوسية، أو الهندوتفا، في مشروع حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم المتشدد. وفي باكستان، عاد الوجه الأكثر مباشرة للعنف إلى الظهور في استهداف المساجد، بالتزامن مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في أفغانستان. أما الهجمات الإيرانية على دول الخليج واستهداف المنشآت الحيوية فتُقدّم حالة مختلفة في تبرير نشر العنف وتطبيعه.
لكن هذا العنف السياسي لا يتحرك منفردًا. فهو مدعوم بعنف رمزي ومعلوماتي خطير. إذ يشير تقرير صادر عن جامعة كوينزلاند الأسترالية بعنوان «العنف من أجل العنف: التطرف الجديد الذي يثير قلق الخبراء»، نُشر في 28 سبتمبر 2026، إلى مفهوم «التطرف العنيف العدمي»، وهو نمط من العنف لا يستند بالضرورة إلى عقيدة سياسية أو دينية واضحة، بل يصبح فيه العنف ذاته مصدر الجاذبية، بما يحمله من صدمة وشهرة واستعراض.
ويشير هذا التقرير إلى دور المجتمعات الرقمية في تطبيع العنف والاحتفاء به، خصوصًا بين بعض الشباب الذين يعانون العزلة والوحدة ويبحثون عن الهوية والانتماء. وقد حذر الخبراء من أنّ الأدوات التقليدية لمكافحة التطرف قد تعجز عن اكتشاف هذا النوع من المخاطر، لأنها تبحث عادة عن دوافع أيديولوجية واضحة، بينما تكمن العلامات هنا في السلوك، والإشارات الرقمية، والانبهار المتزايد بالعنف، الذي يُصوّر، ويُنشر، ويعاد إنتاجه، ويستهلك، ثم يصبح مادة جديدة للاستقطاب. وهنا تكمن خطورة الاستثمار في العنف سياسياً واقتصادياً، حيث تتحول الوحشية إلى سلعة، وتصبح الصدمة السياسية طريقًا مختصرًا إلى التأثير.
يبدو وكأن العالم ينتقل من نظام حاول، ولو نظريًا، ضبط العنف بالقانون والمؤسسات، إلى بيئة مشبعة بالخوف والعنف، تستدعي الحاجة الدائمة إلى الحماية، وتعيد ترويج منطق رسم الحدود بين «نحن» و»وهم». وبذلك، قد لا يكون انتشار العنف مجرد نتيجة للفوضى المصاحبة لتراجع النظام الدولي القديم، بل أحد العوامل التي تشارك في تشكيل النظام الذي سيأتي بعده. فما كان يُدان بالأمس باعتباره استثناءً، يُقبل اليوم باعتباره ضرورة، وقد يتحول غدًا إلى استثمار مشروع في السياسة والاقتصاد وربما التعليم والاجتماع.
سحر ناصر
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.