الرسالة الأميركية وصلت: مصر تنظّف بنوكها من إيران
بقلم عبادة اللدن
«اساس ميديا»
قيل قديماً إنّ البنك لا تقتله رصاصة، بل تقتله إشاعة. راهناً ثمة مقولة أدق للعصر الحاضر: البنك لا تقتله إشاعة، بل يقتله بيان من وزارة الخزانة الأميركية.
هذا بالضبط ما حدث لفروع “بنك مصر” في دبي. احتاجت وزارة الخزانة الأميركية إلى بيان واحد، صدر مساء يوم جمعة في أواخر آب/أغسطس، كي تضع ثاني أكبر بنك في مصر على خريطة الحرب المالية ضد إيران. واضطرت القاهرة إلى معالجة عاجلة انتقلت بموجبها أصول “بنك مصر” في الإمارات إلى “البنك الأهلي” المصري، علماً أنّ كلا البنكين مملوكٌ للحكومة المصرية، وهذا ما يجعل الرسالة الأميركية مفتوحة على تفسيرات كثيرة حول وجهتها ومضمونها.
الإجراء الأشد
اللافت أنّ الخزانة الأميركية اختارت مباشرةً أشد الإجراءات الخاصة المتاحة في قانون “باتريوت”، وهو الإجراء الخامس الذي يُلزم البنوك الأميركية بمنع فروع أي بنك من الوصول إلى الدولار بطرق غير مباشرة، أي حتى عبر بنوك وسيطة أجنبية. وهذا بحد ذاته كفيل بإعدام نشاط أي بنك. والسبب الذي ذكرته وزارة الخزانة أنّ فروع البنك المصري عالجت بين كانون الثاني/يناير 2024 وحزيران/يونيو 2026 نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل ارتباطها بشبكات الظل المصرفية الإيرانية.
ذهب البيان أبعد من ذلك، فاتهم الفروع بخدمة شركات واجهة تعمل لحساب وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري، وبغسل أموال لصالح المرشد مجتبى خامنئي. وجاء القرار أول تطبيق عملي لحملة أطلقها وزير الخزانة سكوت بيسنت تحت اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”، وهدفها المعلن قطع كل صلات إيران الاقتصادية بالعالم.
ليس الأثر قاتلاً على البنك الأم في مصر، إذ إن الفروع الإماراتية تمثل أقل من 5% من أصوله وصافي أرباحه. لكن مضمون الرسالة الأميركية يبقى هو الأهم، وربما يكون متعدد الوجهات. فمن جهة، تحتل الإمارات موقعاً مركزياً في التجارة الإيرانية منذ عقود، ويعمل فرع بنك “ملّي” الإيراني في دبي منذ ما قبل قيام الاتحاد. وفرضت واشنطن في اليوم نفسه عقوبات على المدير العام لهذا الفرع، في إشارة إلى أنها تستهدف البيئة كلها لا بنكاً بعينه.
لماذا بنك مصر؟
أما اختيار “بنك مصر”، فتتقاطع فيه روايات لم يُحسم أيٌّ منها. ونقل موقع “مدى مصر” عن مسؤول حكومي أنّ التحقيق يتركز على ثلاثة فروع رُصدت فيها تحويلات “غير اعتيادية” من لبنان إلى الإمارات. وأورد الموقع أيضاً، نقلاً عن باحث، رواية عن دفعة مقابل وقود إيراني جرى تمريرها عبر نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود (CIPS) بعد إغلاق قناة “سويفت”. تتفاوت التفسيرات هنا حول ما إذا كان في الأمر خطأٌ تقنيٌّ محض في معايير الامتثال والتحقق أم غير ذلك، ولو أنّ كثيرين يستبعدون أن يصل الخطأ إلى هذا المدى، حجماً ومضموناً. ولو كان كذلك لكان التساؤل: لماذا لم تُعطِ الخزانة الأميركية البنكَ فرصةً للتصحيح؟
غير أنّ سرعة الاستجابة أعطت انطباعاً بأنّ الإجراء الأميركي قابلٌ للحصر في موضعه، إذ أعلنت السلطات الرقابية في الإمارات ومصر فتح تحقيقات في عمل الفروع. وبعد ذلك، عملت السلطات المصرفية على ترتيب صفقة لنقل أصول “بنك مصر” إلى “البنك الأهلي المصري”، في صيغة تعيد ترتيب الانتشار المصرفي المصري، بحيث ينتهي وجود الكيان المستهدف بالإجراءات الأميركية، لكنها تُبقي لمصر حضورها المصرفي في الإمارات.
حلّ منسّق
يبدو أن الحل المصري منسّق مع الأميركيين، إذ أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي منتصف أيلول/سبتمبر أنّ فروع بنك مصر في دبي “ستُغلق”، ما قد يشير إلى أنّ واشنطن وافقت على هذه الصيغة لخروج البنك المصري من دبي.
يبقى الأهم أنّ دخول البنك الأهلي المصري مكان بنك مصر يحمل رسالة من القاهرة بأنها ستتحمّل مسؤولية إقفال قنوات التمويل لطهران عبر بنوكها. فالبنك الأهلي يمثل درّة التاج المصرفي المصري، ويدير أكبر ميزانية في القطاع، ويستحوذ على نحو نصف سوق تمويل الشركات الكبرى، ولا يمكن للقاهرة أن تساوم على سمعته ودوره. ولا شك أنّ نجاح الصفقة يتوقف على ثلاثة شروط: يجب أولاً تنظيف قاعدة العملاء من الحسابات المشبوهة. وثانياً أن يحصل البنك الأهلي على إشارة أميركية، ولو غير معلنة، بأنّ الانتقال يُنهي الملف. ويجب ثالثاً أن تمنحه الرقابة الإماراتية غطاء امتثال واضحاً يطمئن البنوك المراسلة.
تبقى الرسالة الأميركية الأهمّ هي أنّ زمن “الحياد المالي” تجاه إيران انتهى. وهذه الرسالة مهمة للقاهرة التي تعتمد ماليتها العامة بشكل كبير على البرامج التمويلية الميسرة من صندوق النقد الدولي بمباركة أميركية.
عبادة اللدن
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.