إيران جائعة… هل يحسم الاقتصاد خيار الحرب؟
بقلم وليد شقير
«أساس ميديا»
تتأرجح مواقف واشنطن وطهران بين التهديد بجولة جديدة من الحرب والمناورة التفاوضيّة، فيما يتصدّر الاقتصاد والجبهة الداخليّة الإيرانيّة، بتضخّمه المتفاقم وأصوات رؤساء سابقين وحاليّين تدعو إلى إنهاء الحرب، عوامل القرار الحاسمة.
قبيل اتّفاق إسلام آباد قالها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب: “جيشنا العظيم يأخذ قسطاً من الراحة استعداداً للمعركة المقبلة”. أمّا قائد “الحرس الثوريّ” الجنرال أحمد وحيدي فتوعّد مجدّداً بـ”النصر الإلهيّ”، معتبراً أنّ المرحلة الماضية من المواجهة “أجبرت أقوى جيش في تاريخ العالم، على الركوع وأظهرت عظمة أبهرت أنظار العالم”. بصرف النظر عن التأرجح في مواقف كلّ من ترامب والقيادة الإيرانيّة حيال احتمال تجدّد الحرب، فإنّ التأزّم الاقتصاديّ، أحد عناصر اتّخاذ القرار، يطلق العنان لنهج الحديد والنار، أو لخيار التفاوض والتسوية.
ماذا عن الجبهة الدّاخليّة والاقتصاد؟
في المواجهة الأميركيّة الإيرانيّة صار السؤال بعد أشهر من الوساطات: متى تتجدّد الحرب؟ من يطلق الشرارة الأولى؟ على أيّ جبهة وماذا ستكون الأهداف؟
مع أنّ طرفَيْ الحرب الرئيسيَّين في إرهاق لا يستثني سائر دول العالم جرّاء إقحام طهران مضيق “هرمز” وأمن الطاقة في الخليج العربيّ، ساعية للسيطرة على باب المندب، إلّا أنّ ترجيح عودتها يطرح الأسئلة عمّا بعدها. فالتعامل مع التداعيات اللاحقة والخسائر يدخل في صلب الخيار العسكريّ.
على الرغم من الاعتداد بأهمّيّة الترسانة الصاروخيّة الإيرانيّة وقدرة طهران على “إيذاء” حلفاء أميركا، إسرائيل ودول الخليج العربيّ والاقتصاد العالميّ، يشكّل تماسك الجبهة الداخليّة والاقتصاد الوطنيّ وقدرته على الصمود وتحمّل تكاليف المواجهة الباهظة عاملين يستحيل تجاهلهما. وهما عاملان يعتبرهما “حرس الثورة” ثانويَّين. البناء العقائديّ لـ”الحرس” وللمرجعيّة العليا، معطوفاً على الأهميّة التي يعطيانها للدعاية والحرب النفسيّة، يسمح بقلب الخسارة إلى انتصار، وباعتبار قمع المحتجّين ضدّ استمرار الحرب دليل وحدة الشعب خلف القيادة.
خاتمي وروحاني
حين لا تكترث القيادة الإيرانيّة وأذرعها في اليمن ولبنان والعراق لمقاييس الخسارة، تخذل حتّى الوسطاء في شكل يدفعهم للتشكُّك بإمكانيّة نجاح جهودهم. مقابل قول وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف مثلاً، إنّه زار طهران من أجل “منع عودة حرب واسعة النطاق”، تصرّ الخارجيّة الإيرانيّة على أنّه لم يبحث خلال الزيارة هذا الأمر.
الأشهر الثلاثة الماضية شهدت سجالاً وحراكاً داخليّاً يتخطّى احتجاجات الشارع، ردّت عليه السلطة بإعدام 79 شخصاً خلال ثلاثين يوماً فقط. الرئيس السابق محمّد خاتمي قال في شهر آب الماضي إنّ ”الشعب الإيرانيّ لا يمكنه الاستمرار في ظلّ الحرب”. والرئيس السابق حسن روحاني اعتبر في أيلول الماضي أنّه إذا كان من المقرّر أن تواصل إيران القتال مع القوى الكبرى في العالم لمدة 20 عاماً أخرى، فينبغي أوّلاً سؤال الشعب عن رأيه. استند إلى “مشورة” النبيّ محمّد “صلعم”، قائلاً إنّ النبيّ “كان يستشير الناس”، مضيفاً: “ألا نكون مستعدّين للتشاور مع شعبنا؟ مع أولئك الّذين منحونا هذه الولاية؟”.
استدعىت دعوة الرئيسين السابقين إلى وقف الحرب حملة شعواء ضدّهما. تمّ تنظيم تظاهرات حاصرت منزل روحاني الذي أبرم الاتّفاق النوويّ عام 2015، والذي ألغاه ترامب في 2018.
بزشكيان يجاهر: إنهاء الحرب…
الجديد في الحراك الداخليّ جاء من الرئيس مسعود بزشكيان بدعوته إلى إنهاء حالة “اللاحرب واللاسلم التي تعيشها البلاد”. وبعدما كان وجّه انتقادات للتلفزيون الإيرانيّ في أيلول الماضي لامتناعه عن بثّ تصريحات له عن تأييد المرشد السابق علي خامنئي، سرّاً، التفاوض مع أميركا لوقف الحرب، اضطرّ بزشكيان إلى اتّهام الولايات المتّحدة بأنّها أفشلت اتّفاق إسلام آباد، لتبرير إصراره على خيار التفاوض. استخدم التراجع الفظيع في الوضع الاقتصاديّ جرّاء الحرب والحصار الأميركيَّين، للابتعاد عن العنتريّات الماورائيّة. قال “إنّ كثيراً من الإيرانيّين يواجهون صعوبات في تأمين احتياجاتهم الغذائيّة”.
ذهب بزشكيان أبعد من بعض الإصلاحيّين الذين يدعون إلى التخلّي عن خيار إنهاء الحرب “بأيّ ثمن”، لمصلحة نهج يدمج بين الردع العسكريّ والقوّة المتطوّرة، وبين الدبلوماسيّة…
الوقائع الصّادمة
أمّا وقائع التردّي الاقتصاديّ الإيرانيّ التي تكشف مدى الضرر الذي أحدثته الضربات الأميركيّة الإسرائيليّة ثمّ الحصار الاقتصاديّ، فصادمة:
- صحيفة “آرمان ملّي” الإصلاحيّة تعتبر الزيادة الأخيرة في قيمة البطاقة التموينيّة الإلكترونيّة، بمقدار 500 ألف تومان لا تتناسب مع وتيرة التضخّم المتسارع. الافتقار إلى مُلكيّة منزل أو سيّارة والحدّ الأدنى للأجور 20 مليون تومان (80 دولار) يفرغان الدعم من محتواه.
- تآكل القيمة الحقيقيّة للمخصّصات الماليّة يمنع احتواء الغلاء. بيانات مركز الإحصاء الإيرانيّ أظهرت قفزة في معدّل التضخّم السنويّ ليصل إلى 73.6%، وارتفاع التضخّم النُقَطي إلى نحو 90% ما يعني أنّ الزيادة لا تعوّض الارتفاع الصاروخي في أسعار الغذاء والسكن.
- تسبّب ارتفاع أسعار الأدوية المستوردة بوضع مأساويّ لمصابين بالأمراض المستعصية والسرطان. دفع ذلك بكُتّاب إلى التهليل لإنتاج أربعة أدوية لعلاج سرطان الدم، باستخدام تقنيّة النانو. يذهب أحد التقارير في هذا الشأن إلى حدّ الإشارة إلى أنّ ذلك ساهم في منع خروج 400 مليون دولار من النقد الأجنبيّ على مدى أربع سنوات. لكنّ ارتفاع أسعار الأدوية بلغ أحياناً 150 في المئة. هذا وقدّرت القيادة الإيرانيّة قيمة خسائر الحرب السابقة بثلاثمئة وخمسين مليار دولار.
- تضجّ الصحافة الإيرانيّة بالكثير من الوقائع والتقارير عن التفاوت الكبير في مداخيل الطبقات الإيرانيّة. فالسلطة التي هدفها الدفاع عن “المظلومين”، أنشأت بفسادها طبقة من الأغنياء. من الأمثلة أنّ سعر المتر في الأبراج الفاخرة شمال طهران يقدّر بنحو 13.3 ألف دولار، متجاوزاً مدناً مثل ميونيخ، سيدني وسان فرانسيسكو، فيما يبلغ أضعاف متوسّط الأسعار في إسطنبول.
من هذه النماذج يمكن تصوّر مدى التدهور الإضافيّ الذي يمكن أن تسبّبه الحرب لإيران.
وليد شقير
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.