الإعلاميون ضحايا فخاخ “قانونهم”

8

بقلم جوزف القصيفي

نقيب المحررين

التاريخ الحديث للدولة اللبنانية يخبرنا أن ما من أحد مهما علا شأنه، حاول المس بحرية الصحافة والعاملين فيها إلا وعض أصابع يديه ندما. فعندما زج الرئيس بشاره الخوري الصحافيين في السجن وعطل الصحف قامت القيامة عليه وتراجع تحت ضغط الشارع وصريف الأقلام. وفي أيام الرئيس كميل شمعون إغتيل النقيب السابق للمحررين نسيب المتني، وكان هذا الاغتيال السبب الرئيس لاحداث دامية كلفت مئات القتلى والجرحى عدا المفقودين الذين لم يعثر لهم على أثر. وفي بدايات العهد الشهابي إختفى الصحافي فؤاد حداد المعروف بابي الحن، والمعلومات أنه قتل على الفور على يد خاطفيه وتسبب ذلك بثورة كادت تعيد الحرب الاهلية، ثم في العهد نفسه تلقى الصحافي الكبير ميشال ابو جوده طعنة ” موسى” في وجهه، ومارس ” المكتب الثاني: أشد انواع التنكيل بحق الصحافيين فسجن من سجن، وهدد من هدد، وطرد من طرد من وظيفته.

ولم يكن عهد الرئيس شارل حلو افضل حالا مع إغتيال كامل مروه، واستمرار النهج القمعي ضد الصحافيين، وفي عهد الرئيس سليمان فرنجيه سجن غسان تويني بعدما دخل إلى السجن في عهد الرئيس الخوري وخطف الصحافي ميشال ابو جوده، واغتيل الصحافي وسيم أمين تقي الدين نجل صاحب قصيدة : ”الله يا لبنان ما أجملك” التي غنتها نجاح سلام بصوتها الرائع وصاحب نشيد مدرسة ”الحكمة”، وهو والد نائب نقيب محرري الصحافة اللبنانية الزميل صلاح تقي الدين. يومها كان الزمن زمن حرب لم توفر نيرانها سواه من الزملاء الذين قضوا في ذاك العهد والعهود التي تلت. أما في عهد الرئيس إلياس سركيس، فقد استشهد نقيب الصحافة رياض طه والصحافي الكبير سليم اللوزي. كما تعرض نقيب المحررين ملحم كرم إلى مضايقات كادت تحمله على مغادرة منطقته واقفال داره الصحافية لو لم يتم معالجة الأمر واحتواء تداعياته بسرعة وفاعلية.

وفي عهد الرئيس أمين الجميل استشهد أربعة صحافيين وهم مستشاره محمد شقير، سهيل الطويله، حسن حمدان (مهدي عامل) وحسين مروه. كما تعرض ناشر جريدة ”السفير” ورئيس تحريرها طلال سلمان إلى محاولة إغتيال تركت آثارها على وجهه حتى اليوم ألاخير من حياته. واستهدفت جريدتا ”النهار” و ”السفير”. كما أغلقت جريدة ”الجمهورية” قسرا. كل ذلك بسبب الخلافات السياسية العميقة التي لجأ الاطراف المعنيون إلى حلها بالعنف. وايضا صاحب هذه التطورات الدرامية مضايقات واستفزازات وضغوطات على الصحافيين، وملاحقات طاولت العديد منهم. ولم تقو الدولة على حماية الصحافيين ومؤسساتهم. أما في الفترة الانتقالية الممتدة بين عهد الرئيس الجميل وقيام جمهورية ”الطائف” ووقوع لبنان بين حكومتين: واحدة برئاسة قائد الجيش فترتذاك العماد ميشال عون بمرسوم من رئيس الجمهورية، وأخرى برئاسة الدكتور سليم الحص كانت قائمة قبل بلوغ الاستحقاق الدستوري أيلول العام ١٩٨٨، فقد سجن صاحب ”وكالة اخبار اليوم” ورئيس تحريرها رؤوف الراسي والصحافية ناديا شريم، كما توقفت بعض الاذاعات ومحطات التلفزة عن بث نشرات الاخبار بسبب الخلافات حول التعاطي مع تسمية إلياس الهراوي بعد انتخابه رئيسا على أثر تسوية: ”الطائف”. وفي هذه الفترة أيضا استشهد المصور في جريدة ”النهار” جورج سمرجيان وهو يتولى تغطية أحداث دامية في أنطلياس. كما تعرض العديد من الصحافيين لمضايقات شتى. وفي عهد الرئيس إلياس الهراوي لحقت الإهانات الصحافيين والاعلاميين. كذلك حصلت تصرفات غير لائقة، ومنها إقدام الرئيس على صفع رئيس تحرير مجلة ”الشراع” حسن صبرا. وفي عهد الرئيس إميل لحود سجن سمير قصير قبل أن يستشهد، وقد أستعارت “عيونه” مجموعة أتقنت استثمار استشهاده، وحصدت مساعدات خارجية تحوط بشفافيتها غير علامة استفهام، باسم حرية مزعومة، مقابل تقديم نصح وإرشاد في كيفية التعاطي الاعلامي، وفاتها المثل السائر ”أيها الطبيب طبب نفسك”، وما جاء في الكتاب المقدس: ”لماذا تنظر القذى في عين أخيك، وأما الخشبة في عينك فلا تفطن لها.”

هذه المجموعة صفقت لقانون معيب دعي زورا “قانون الاعلام”، وقد صيغ بـ ”مهارات” إنشائية ملتبسة اباح حبس الصحافيين، وصولا الى تبرير تفريخ ”ميني ماركات” نقابية تستحدث غب الطلب. كما سجن الصحافيان حبيب يونس وانطوان باسيل بوشايات كاذبة وتركيب ملفات وعطلت وسائل إعلام. وانتقالا إلى عهد الرئيس ميشال سليمان، فقد شاهدنا نموذجا حيا كيف أن الرئيس طلب توقيف شاب كتب تعليقا على صفحته لم يستهوه ورأى فيما دونه جريمة لا تغتفر، فسجن، قبل أن يعفو عنه إثر توسلات عائلته. ولم تغب أيضا المضايقات الشتى للصحافيين والاعلاميين. وفي عهد الرئيس ميشال عون لوحق الصحافي بشاره شربل، رئيس تحرير جريدة ”نداء الوطن” عهدذاك بعدما أورد فيها ما إعتبر إهانة واضحة للقصر الجمهوري ومقام الرئاسة الاولى، ولكن التدخل السريع والفاعل لنقابة المحررين التي يستهدفها شربل حاليا، رغم عضويته فيها، افلح باقناع الرئيس بتحويل الملف إلى محكمة المطبوعات خلافا لما كان منتظرا بعد إدعاء المدعي العام التمييزي. وكان ”الشكر المنتظر” من صاحب العلاقة مزيدا من التصويب الذي قارب القدح والذم المتعمد. هذه هي “الديموقراطية”. وكثرت في تلك الفترة التحديات والدعاوى والملاحقات في حق الصحافيين. وفي مرحلة الشغور الرئاسي أقدمت إسرائيل عن سابق تصور وتصميم، وعمدا، على إغتيال صحافيين ومصورين عمدا، إمتدادا إلى ما بعد انتخاب العماد جوزاف عون على رأس الجمهورية. وعلى الرغم من إرتقاء عشرات الصحافيين والاعلاميين شهداء، فإننا لم نسمع كلمة إدانة لجرائم إسرائيل في حقهم، وكان واضحا استلشاق المسؤولين بتضحياتهم ولم تتخذ الحكومة اي إجراء عملي لمقاضاة الجهة المعتدية، في حين لم يصدر عن وزارة الاعلام سوى بيانات خجولة من باب رفع العتب.

وفي ظل هذا القانون والرغبة في فرضه، وربما عدم تعديله، فان على الصحافيين والاعلاميين أن ينتظروا الكثير منه: إستنسابية قضائية مفتوحة على اي إجراء اولها الحبس بسبب المادة ١٠٤، وثانيها الغرامات المرهقة، فوضى نقابية تؤسس لـ ”كانتونات” تنتقل عدواها من الجسم الاعلامي إلى سائر الأسلاك النقابية. وهذا ما سيحصل حتما، إذا لم يتنبه الصحافيون والاعلاميون ومعهم الرأي الاعلامي الى ما يبيت لهم، وما ينتظرهم مما يحتم عليهم قطع الطريق على اي محاولة لافراغ الحرية من مضمونها وضرب حماتها من الإعلاميين والنقابات، إنقاذا لمهنتهم وحقهم في التعبير وكشف المعلومات وحماية مصادرها، لأن القانون يترك للقاضي باب الاستنساب، والتمييز بين ما هو متعمد وغير متعمد. والمعروف أن الاستنساب هو مفهوم مطاطي لا يحده أفق ولا نص. وفي إطار المداولات لمواجهة هذا الواقع، هناك اتجاه لمقاطعة اخبار المسؤولين والنشاطات الرسمية كأحد السبل للتعبير عن رفض الأسرة الاعلامية ضرب الحريات الصحافية ووحدة الجسم النقابي.

ويقول صحافي عتيق عاصر الاحداث أن مسؤولية النواب كبيرة في تصحيح الخطأ الكبير الذي وقع باقرار هذا القانون والتوقيع عليه من قبل رئيس الجمهورية وعدم رده وتمنعه عن الاستجابة لتمني نقابتي الصحافة والمحررين والعديد من الشخصيات والمرجعيات السياسية والفكرية والثقافية. وايضا من دون إيلاء ملاحظات نقابة المحامين ما تستحق من إهتمام. لن يسلم الصحافيون والاعلاميون من فخاخ هذا القانون وشراكه. ومن يعش ير. والمثل القديم يقول: ”عش رجبا تر عجبا” ..يا عيب الشوم..

جوزف القصيفي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.